تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٦٤ - الأمر السادس
فبلغ ذلك ملوك الروم. و كان ملكان منهما أخوين مشتركين في ملك القسطنطينية، فكاتبا عضد الدولة و بعثا له بهدايا و استمالاه. فقوى في نفسه ترجيح جانبهما، و أعرض عن نصر ورد الرومي ... إلى آخر الحوادث [١].
و هناك حوادث أخرى تدل على وجود هذه الثقة المتبادلة، لا تخفى على المتتبع.
فإن قال قائل: إن ظاهر الحديث النبوي الشريف، ان النصر المشترك الذي يحرزه الروم و المسلمون نصر حقيقي و أكيد، على حين عرفناه ان هذه الحروب التي ذكرناها، كانت نهايتها الفرار.
قلنا: ان كل ما يدل عليه الحديث الشريف، هو أنهم ينتصرون و يغنمون و يسلمون. و لا شك أن هذا قد حدث في الحروب السابقة على هجومهم على القسطنطينية، و ان انهزموا بعد هذا الهجوم.
و أما قوله (ص): ثم ترجعون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول. فليس فيه دلالة على أنهم راجعون بالنصر. و المرج المشار إليه، كأنه كناية عن المنطقة التي صار إليها الجيش المهزوم.
و بعد فترة من ذلك قامت الحروب الصليبية، من قبل أناس جدد غير أولئك المتعاهدين مع المسلمين. و من هنا نجد الحديث النبوي الشريف يقول: «فيرفع رجل من أهل النصرانية الصليب. و لم يقل رجل منهم أي الروم. لأن رادة الحروب الصليبية كانوا غير أولئك الأسبقين، بحوالي قرن و إن كان الجيل المتأخر من الروم البزنطيين قد اشترك فعلا في تلك الحروب. و لا يكون بين رفع الصليب و الانتصار المشترك أية علاقة مباشرة، و إنما هو مجرد الترتيب الزمني.
و يكون معنى رفع الصليب من قبل أهل النصرانية، و هم الأوروبيون الافرنج ..
معناه اتخاذ الصليب شعارا لهم و رمزا لانتصارهم، و استغلالهم الدين المسيحي لاستعمار المسلمين و التوصل إلى قتلهم و استغلال مواردهم و اقتصادياتهم. و يكون قوله: «غلب الصليب»، عبارة رمزية عن هذا الشعار، متضمنا للتفاؤل بالنصر رفعا لمعنويات الجيش المهاجم.
و هذا بالضبط هو الذي أعلن في ابتداء الهجوم الصليبي. إذ قالوا عند العزم عليه:
[١] المصدر ج ١ ص ٣٤٧.