تاريخ السنة النبوية - صائب عبد الحميد - الصفحة ٥٧ - المبحث الثاني رواية السُـنّة
فانظر كيف أخذ أهمّ علامات كذب الرواية ليجعله الشاهد على صدقها!!
فمن قال لك أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قام مصدّقاً لهذه الرواية؟! هل سمعته من أحد غير هذه الرواية نفسها؟!
إنّ مثل هذه القصّة ليست ممّا يرتاب العقل في تكذيبها بعد المسح العلمي الدقيق، إنّها تماماً من قبيل روايات تقول: إنّ الاَرض تقف على قرن ثور، والثور على ظهر حوت، وهو النون التي في قوله تعالى: (ن والقلم) !!
فإذا كان يصدّقها بالاَمس ناس عمدتهم وثاقة الرواة، فليس لهذه الوثاقة اليوم محلٌّ أمام الكشف العلمي الدقيق والمباشر.. ولا يعاب في ذلك المتقدّمون! ولكن يعاب الّذين قرضوا القرن التاسع عشر والقرن العشرين وما زالوا يلتمسون ذلك وراء وثاقة الراوي وأهمّـيّة المصدر، بدلاً من أن يضع ذلك كلّه موضع الاختبار بناءً على هذه الحقائق الملموسة.
وتميم هذا هو الذي ابتدأ فاستأذن عمر أن يقصّ، فأذِن له بعد أن ردّه أوّلاً، فهو أوّل قاصٍّ مأذون في الاِسلام[١] ، فكان يقوم في المسجد كلّ جمعة يعظ أصحاب رسول الله! قبل أن يخرج عمر إلى الجمعة.. فلمّا جاء عثمان طلب منه تميم أن يزيده، لاَنّ موقفاً واحداً في الاَُسبوع لا يكفيه، فزاده عثمان يوماً آخر يُتحف فيه أصحاب رسول الله بمزيد من مواعظه!
لكن في تلك السنين كان التحدّث بأحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
[١] انظر ترجمة تميم بن أوس الداري في: الاستيعاب، أُسد الغابة، الاِصابة، سير أعلام النبلاء.