تاريخ السنة النبوية - صائب عبد الحميد - الصفحة ٦٥ - المبحث الثالث إحيـاء السُـنّة

عندهم الكتب، فوصل خبرها إلى عمر، فقام فيهم خطيباً، فقال: «أيّها الناس، إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبّها إلى الله أعدلُها وأقوَمُها، فلا يُبقينّ أحدٌ عنده كتاباً إلاّ أتاني به، فأرى فيه رأيي».

فظنّوا أنّه يريد أن ينظر فيها ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بها، فأحرقها بالنار![١] .

فما زال الصحابة إذن عند إجماعهم الاَوّل، وما زال عمر عند رأيه المخالف.

والثانية: ما خلص إليه محمود أبو ريّة في إثبات النهي عن تدوين السُـنّة، وانصياع الصحابة لهذا الاَمر انصياعاً تامّاً، ليقضي على السُـنّة كلّها بالضياع، ولم يُبقِ منها إلاّ حديثين صحّا عنده، وبلغا التواتر، وهما: حديث النهي عن التدوين، وحديث «من كذب علَيَّ فليتبوّأ مقعده من النار» مؤكّداً عدم ورود كلمة «متعمّداً» في هذا الحديث، ليجعل من الكذب عليه رواية الحديث بالمعنى! متمسّـكاً بأدلّة حاكمة عليه، لا له[٢] .

فكلّ ما ورد عن أبي بكر وعمر والصحابة في عهديهما كان صريحاً جدّاً بعدم ورود النهى عن تدوين السُـنّة من قبل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)..

أضف إلى ذلك ما هو ثابت من تدوينها بأمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أو بإذنه، ومن ذلك:

* الصحيفة التي كانت في قائم سيفه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها بعض السنن، ثمّ


[١] الطبقات الكبرى ٥/١٨٨، تقييد العلم: ٥٢.

[٢] راجع كتابه «أضواء على السُـنّة المحمّـدية» والذي ارتضى أن يسمّيه في طبعته الثانية باسم «دفاع عن السُـنّة»!!