تاريخ السنة النبوية - صائب عبد الحميد - الصفحة ١٨ - المبحث الاَوّل التدوين والرواية

هذه أيضاً أدلّة كافية على عدم ورود شيء في النهي عن تدوين السُـنّة، وإلاّ لَما همّ عمر بكتابتها، واستشار الصحابة فأجمعوا على كتابتها.

فما كان المنع إذن إلاّ برأي رآه عمر، ولم ينسبه إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).

وراح الصحابة من وراء الخليفة يكتبون الحديث والسـنن، ما سمعوه من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وما حدّثهم به إخوانهم عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، حتّى كثرت عندهم الكتب، فبلغ خبرها عمر، فقام فيهم خطيباً، فقال: «إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبّها إلى الله أَعْدَلُها وأَقْوَمُها، فلا يُبقينّ أحدٌ عنده كتاباً إلاّ أتاني به، فأرى فيه رأيي».

فظنّوا أنّه يريد أن ينظر فيها ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بها، فأحرقها بالنار![١] .

كتابة السُـنّة تصدّ عن القرآن!!

تلك هي أهمّ الحجج التي تمسّك بها المانعون من تدوين السُـنّة، ومن رواية الحديث أيضاً، خشية أن يشغلهم ذلك عن القرآن، كما انشغل أهل الكتاب بكتب أحبارهم عن كتاب ربّهم![٢] .

لكن هل يصحّ ذلك؟! وما السُـنّة ـ بالدرجة الاَُولى ـ إلاّ تبياناً للقرآن وتفصيلاً لاَحكامه!!

نترك الجواب للصحابي الفقيه الذي بعثه عمر بن الخطّاب إلى البصرة


[١] الطبقات الكبرى ٥/١٨٨، تقييد العلم: ٥٢.

[٢] انظر: سنن الدارمي ١ ح ٤٧٥، تقييد العلم: ٥٣ و ٥٦، جامع بيان العلم: ٧٩ ح ٣١٨ و ٣١٩، أُصول الحديث: ١٥٤ و ١٥٦ و ١٥٨، علوم الحديث ومصطلحه: ٣٠ ـ ٣١.