تاريخ السنة النبوية - صائب عبد الحميد - الصفحة ١٧ - المبحث الاَوّل التدوين والرواية

لعلّ هذا الاضطراب هو الذي حمل الذهبي على تكذيب الخبر، فقال: فهذا لا يصحّ، والله أعلم[١] .

فإذا لم يصحّ هذا، فلم يثبت عن أبي بكر غيره في شأن تدوين الحديث النبوي الشريف، إلاّ ما ورد في كتابته بعض كتب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، والتي ضمّنها جملة من السنن، ككتاب فرائض الصدقة ـ الزكاة ـ الذي كتبه أبو بكر إلى عمّاله، فجعل أوّله: «إنّ هذه فرائض الصدقة التي فرضَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على المسلمين، التي أمر الله عزّ وجلّ بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فمن سُـئل من المسلمين على وجهها فليُـعْطِها...» الكتاب[٢]

فهذا يعني أنّ تدوين الحديث على أصل الاِباحة، وهي مستفادة حتّى من الحديث الاَولّ على فرض صحّته، فمبادرة أبي بكر بجمع الحديث وتدوينه في كتاب دليل على أنّه لم يعرف فيه إلاّ الاِباحة، ثمّ لمّا أحرقه لم يكن ‌إحرقه لورود النهي عن كتابة الحديث، وإنّما لخشية تطرّق الوهم إليه!

ومضى الاَمر على هذه الحال حتّى جاء عمر، فأراد أن يكتب السنن، فاستفتى أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك، فأشاروا عليه بأن يكتبها، ثمّ بدا له أن لا يكتبها.. ثمّ بعث إلى الاَمصار: من كان عنده شيء فليمحه![٣] .

وحدّث مالك بن أنس: أنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب هذه الاَحاديث، أو كتبها، ثم قال: لا كتاب مع كتاب الله![٤] .


[١] تذكرة الحفّاظ ١/٥.

[٢] مسند أحمد ١/١١، صحيح البخاري ـ كتاب الزكاة ـ زكاة الغنم، سنن أبي داود ـ كتاب الزكاة ـ ح ١٥٦٧ ـ ١٥٧٠، سنن النسائي ح ٢٢٣٥.

[٣] جامع بيان العلم ١/٧٨ ح ٣١٣ و ٣١٥.

[٤] جامع بيان العلم ١/٧٨ ح ٣١٢.