التمهید فی علوم القرآن - المعرفت، الشیخ محمد هادی - الصفحة ٢٨٣ - اشارة
أجواء مفعمة بالأدب الرفیع أحاطت بعهد نزول القرآن
شعراء مخضرمون:
اشارة
و لعلّنا لم نبالغ إذا قلنا بأنّ العرب الأوّل قد حظوا من رفعة الأدب و
سمو البلاغة و طلاقة اللسان ما لم یحظّوا فیما بعد من أدوار التأریخ، مهما
توسّعوا فی الاضطلاع بقواعده و الإشادة بمبانیه و مبادئه، إنّهم- علی
بداوتهم- کانوا خلصاء و کانوا یعتمدون قرائحهم الضافیة و أذواقهم السلیمة
الصافیة، لا تعمّل فیها و لا تکلّف ممّا صنعه المتأخّرون.
کانت البلاغة
حینذاک هی بضاعة العرب الوحیدة و صناعتهم الفریدة، و من ثمّ کانوا قد
أحکموا من مبانیها و أتقنوا من أصولها و فروعها قریحة و سلیقة لا دراسة و
تعلّما، فکانت بالذاتیات الراسخة أشبه منها بالعرضیات الزائلة.
و فی هذا
الجوّ المفعم بالأدب الرفیع، نزل القرآن الکریم، فبدلا من أن یسطو علیه
المحیط الغالب: نراه قد تغلّب علی البلاد، و استولی علی معالمها، و هزم
أبطالها، و أباد عساکرها، و تسنّم العرش و سیطر علی الآفاق ...
و نحن فی
هذا العرض نقتصر علی جانب من هذا الجو السائد، جانب الشعر و الشعراء ممن
أدرکوا الجاهلیّة و الإسلام، و کانوا علی مستوی عال، أصحاب طلاقة بیان و
ذلاقة لسان، سواء منهم من آمن و من بقی علی جهله القدیم، و هم الأقلّ ...
و قد عمدنا الی ألمع شعراء العرب المخضرمین، و فیهم أصحاب المعلّقات