التمهید فی علوم القرآن - المعرفت، الشیخ محمد هادی - الصفحة ١٧٨ - ٣- إنّما یعرف ذا الفضل من العلم ذووه
٣- إنّما یعرف ذا الفضل من العلم ذووه:
لیست معجزة نبیّ الإسلام (صلی اللّه علیه و آله) بدعا من معاجز سائر
الأنبیاء (علیهم السلام) إذ کان نبهاء الأمم و أصحاب الاختصاص هم الذین
کانوا یلمسون واقع الإعجاز. و امتیاز المعجز عن الممکن- فیما یقدّمه
الأنبیاء- إنّما یعرفه أفذاذ الناس .. کانت سحرة فرعون هم الذین لمسوا
الحقّ فی العصا و الید البیضاء فآمنوا به و تبعهم الآخرون و هکذا. فکان
سبیل القرآن- و هو أرقّ المعاجز و أرقاها- سبیل سائر المعاجز یعرفه ذوو
الاختصاص من أهل الفنّ، و الأذکیاء من العلماء، و من ثمّ فإنّهم هم المراجع
فی وضح الحقّ و دحض الأباطیل فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّکْرِ إِنْ کُنْتُمْ
لا تَعْلَمُونَ [١].
ما الفضل إلّا لأهل العلم أنّهم علی الهدی لمن استهدی أدلاء
و من ثم کانت شهادات أفذاذ العرب الأقحاح، هو القول الفصل، بشأن القرآن الکریم و أنّها میزة خارقة فاق بها سائر الکلام.
تلک
شهادة طاغیة العرب و عظیمها الولید بن المغیرة: «یا عجبا لما یقول ابن أبی
کبشة، فو اللّه ما هو بشعر و لا بسحر .. و إنّ قوله لمن کلام اللّه ..»
[٢].
و أیضا قوله: «و اللّه لقد سمعت من محمد آنفا کلاما، ما هو من کلام
الإنس و لا من کلام الجنّ. و اللّه إنّ له لحلاوة، و إنّ علیه لطلاوة ... و
إنّه یعلو و ما یعلی. و إنّه لیحطّم ما تحته ..» [٣].
و شهادات فصحاء
العرب و سادات قریش من هذا القبیل کثیرة، کلّها تنمّ عن واقعیّة فخیمة
لمسها اولئک الخواصّ، فسار من ورائهم العوامّ ..
ذکروا أنّ فصحاء قریش أزمعت علی معارضة القرآن، فجمعت لها جمعا، حتی إذا ما نزلت
(١) النحل: ٤٣.
(٢) تفسیر الطبری: ج ٢٩ ص ٩٨.
(٣) مستدرک الحاکم: ج ٢ ص ٥٠٧.