نظم حكم الامويين ورسومهم في الاندلس - سالم بن عبد الله الخلف - الصفحة ٨٠٧
مما سبق نلاحظ أن جل أولئك الفقهاء الذين تصدروا للإفتاء والمشاورة كانوا من المستورين إن لم يكونوا من المياسير. لكن هذه الصورة لا يمكن أن تشمل الكل فقد وجد بين أهل الإفتاء من كان أقرب إلى الفقر منه إلى الغنى، فالفقيه أصبغ بن خليل، المتوفى سنة ٢٧٣هـ (٨٨٦م) كان يلي رئاسة الإفتاء بالأندلس مدة خمسين عاماً١. ومع ذلك فقد كان فقيراً لم يكتسب شيئاً، حتى أن أبا عمر ابن عبد البر يذكر أن تركة أصبغ عند وفاته بلغت مائة دينار فقط٢.
ونظراً لأهمية منصب المفتي في الأندلس، فلنا أن نتوقع أن لا يتصدر أحد للإفتاء إلا من بعد صدور ظهير رسمي من قبل الأمير أو الخليفة، ولعل من الأدلة المؤيدة لهذا ما جرى في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما قام قاضي الجماعة آنذاك بمشاورة الفقيه عبد الأعلى بن وهب دون إذن مسبق من الأمير الذي ما إن علم بالأمر حتى عنَّف قاضي الجماعة وأغلظ له، كما لحقت الفقيه ابن وهب غضاضة٣.
ومن الملاحظ أن منصب الإفتاء -الشورى- يمكن أن يكون متوارثاً، حاله في ذلك حال بقية المناصب في دولة بني أمية بالأندلس، فالفقيه المشاور يحيى بن يحيى الليثي ترك ولدين هما: إسحاق المتوفى سنة ٢٦١هـ (٨٧٥م) وعبيد الله المتوفى سنة ٢٩٨هـ (٩١١م) ، وكلاهما
١- ابن الفرضي، ترجمة رقم ٢٤٧.
٢- تبصرة الحكام، ١/٧٠.
٣- ابن الفرضي، ترجمة رقم ٨٣٧. ترتيب المدارك، ٤/٢٤٦-٢٤٧.