الإيمان والكفر في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٧ - هل التفسير الإشاري من قبيل التفسير بالرأي ؟
إنّ للآية مراتب ودرجات من التفسير كل يستفيد منها حسب قابليته
والكل يستمد من الظاهر، ونظيره آية النور [١] فقد خاض المفسرون في تفسير
الآية وتطبيقها على موارد مختلفة وكل استفاد من نورها حسب موَهلاته
وكفاءاته.
وحاصل القول في التفسير الاِشاري أنّ ما يفهمه المفسر من المعانى
الدقيقة إنّ كان لها صلة بالظاهر فهو مقبول سواء سمّي تفسيراً على حسب
الظاهر أو تفسيراً إشارياً وعلى كل تقدير فالمفسر على حجّة من ربّه في حمل
الآية على ما أدرك، وأمّا إذا كان مقطوع الصلة عن الظاهر، المتبادر إلى الاَذهان،
فلايصح له حمل القرآن عليه إلاّ إذا حصل له القطع بأنّه المراد وعندئذ يكون
القطع حجّة له لالغيره وإن كان مخالفاً للواقع، ولاِيضاح الحال نأتي بأمثلة:
يخاطب سبحانه أُمّ المسيح بقوله:(وهُزّي إلَيكِ بِجِذعِ النَّخلَةِ تُساقِطْ
عَلَيكِ رُطباً جَنيّاً)[٢].
فلو قال أحد: إنّه سبحانه هيّأ مقدمات الولادة وموَخراتها لاَُمّ المسيح،
حتى الرطب في غير فصله من الشجرة اليابسة ومع ذلك أمرها أن تَهزَّ بجذع
النخلة مع أنّ في وسع المولى سبحانه أن يرزقها الرطب بلا حاجة إلى الهزِّ، ـ
أمرها بالهزّ ـ هذا لتفهيمها أنّها مسوَولة في حياتها عن معاشها، وأنّه سبحانه لو هيّأ
كل المقدمات فلا تغني عن سعيها وحركتها ولو بالهز بجذع النخلة.
هذا ما ربما يعلق بذهن بعض المفسرين ولابأس به لاَنّ له صلة بالظاهر.
روي أنّه بعدما نزل قوله سبحانه:(اليومَ أكمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتمَمتُ عَليكُمْ
نِعمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الاِسلامَ ديناً )فرحَ الصحابة وبكى بعضهم فقال: الآية تنعي
إلينا برحلة النبي [٣].
[١] النور: ٣٥ .
[٢] مريم: ٢٥ .
[٣] الآلوسي: روح المعاني: ٦ | ٦٠ والآية ٣ من سورة المائدة.