الزيارة في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩١
الطارئة فليس استدلالاً صحيحاً.
وهناك نكتة أُخرى؛ وهي أنّ الاستدلال على الجواز بما جرت عليه سيرة العقلاء من إقامة الاحتفالات على عظمائهم قياس مع الفارق، لاَنّ الاحتفالات الرائجة بين العقلاء من الاَُمور العادية، والاَصل فيها هو الحلّية، وأمّا الاحتفال بمولد النبي فإنّما هو احتفال ديني، وعمل شرعي، فلا يقاس بتلك الاحتفالات، بل لابدّ من طلب دليل شرعي على جوازه، وبذلك تقدر على القضاء بين أدلّة الطرفين.
نعم لا يمكن أن ننكر أنّ ما يقيمه العقلاء من احتفال يؤثّر في نفوسنا ويحفزنا للاِقبال على الاحتفال بمولد النبيّ، وفي هذا الصدد يقول العلاّمة الاَميني:
«لعلّ تجديد الذكرى بالمواليد والوفيات، والجري على مراسم النهضات الدينية، أو الشعبية العامة، والحوادث العالمية الاجتماعية، وما يقع من الطوارق المهمّة في الطوائف والاَحياء، بعدِّ سنيها، واتّخاذ رأس كلّ سنة بتلكم المناسبات أعياداً وأفراحاً، أو مآتمَ وأحزاناً، وإقامة الحفل السارّ، أو التأبين، من الشعائر المطّردة، والعادات الجارية منذ القدم، ودعمتها الطبيعة البشرية، وأسّستها الفكرة الصالحة لدى الاَُمم الغابرة، عند كلّ أُمّة ونحلة، قبل الجاهلية وبعدها، وهلمّ جرّاً حتّى اليوم.
هذه مراسم اليهود، والنصارى، والعرب، في أمسها ويومها، وفي الاِسلام وقبله، سجّلها التاريخ في صفحاته.
وكأنَّ هذه السُنّة نزعة إنسانية، تنبعث من عوامل الحبّ والعاطفة، وتسقى من منابع الحياة، وتتفرع على أُصول التبجيل والتجليل، والتقدير والاِعجاب، لرجال الدين والدنيا، وأفذاذ الملاَ، وعُظماء الاَُمّة إحياءً لذكراهم، وتخليداً لاَسمائهم، وفيها فوائد تاريخية اجتماعية، ودروس أخلاقية ضافية راقية، لمستقبل الاَجيال،