الزيارة في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٢ - تذكرة وإنذار
وإذا كانت الذكرى ناقوساً يدِقّ في وادي النسيان يذكّرك الحبيبَ ويرِنُّ في
أسماعك جماله وكماله، فزيارته والمثول أمام آثاره وعظمته تُؤثّر في خلوده وبقائه
في النفوس، وتزيل غبار النسيان عنه. لذا نرى أنّ الفقهاء أفتوا بأنّه يجب على
الحاكم الاِسلامي تجهيز المسلمين من بيت المال وإرسالهم إلى الحجّ إذا خلت الكعبة
عن الزوّار لئلاّ تُنسى، وحتّى تبقى خالدة في قلوب المسلمين ومهوى أفئدتهم،
فكذلك قبور الاَنبياء والمرسلين وفي مقدّمتهم سيّدنا سيد الرسل نبيّنا الاَكرم
صلوات الله عليه وعلى آله ومن تبعه بإحسان؛ وذلك لاَنّ هجر قبورهم وعدم
الاهتمام بها تمهيد لنسيانهم ورسالاتهم وبالتالي القضاء على الاِسلام.
* * *
أخي القارىَ الكريم؛ لقد عالجتُ مسألة الزيارة معالجة علميّة في ضوء القرآن والحديث الصحيح وقضاء الفطرة الاِنسانية، فلم يبق في رجحان الزيارة واستحبابها شرعاً شكّ ولا ريب، وقد تعرفتَ على آثارها الاِيجابية للزائر والمزور، وقد أزحنا بعضَ الاَشواك النامية في هذا الطريق، فعلى المشرفين على القبور والاَضرحة ونخصّ بالذكر قبرَ سيد البشر ـ عليه صلوات الله وسلامه ـ استقبال الوافدين عليها بوجوه مشرقة مرَحِّبين بضيوف النبي مهيّئين الاَجواء الودّية المناسبة للزيارة، وحشد كلّ الاِمكانات المادّية والمعنوية لاِقامتهم في مدينة الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إقامة مقرونة بالارتياح.
ولا تفوتنا الاشارة هنا إلى واجب الخطباء والعلماء في إرشاد المسلمين
وتوجيههم إلى الآداب الصحيحة للزيارة، وتذكيرهم بما ينفعهم في الدنيا والآخرة،
حتّى يتلقّى الزائر أنّ الحضور في مزاره الشريف وسيلة للتذكرة به؛ وهي لا تنفك
عن العمل بشريعته ودينه وسنّته والتخلّق بأخلاقه.