الزيارة في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨ - زيارة النبيّ الأكرم في القرآن الكريم
جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربّي». ثم بكى وأنشأ يقول:
يا خيرَ من دُفنت بالقاع أعظمُهُ *** فطاب من طيبهنّ القاعُ والاَكمُ
نفسي الفداءُ لقبرٍ أنت ساكنُهُ *** فيه العَفافُ وفيه الجودُ والكرمُ
ثم استغفر وانصرف[ ١ ].
ويروي أبو سعيد السمعاني عن الاِمام عليّ بن أبي طالب _ عليه السلام_ أنّ أعرابياً جاء بعد ثلاثة أيام من دفن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فرمى بنفسه على القبر الشريف وحثا من ترابه على رأسه وقال: يارسول الله قلتَ فسمعنا قولك، ووعيت عن الله ما وعينا عنك، وكان فيما أنزله عليك: (ولو أنَّهم إذْ ظَلموا أنفسَهُم... ) وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي إلى ربّي[ ٢ ].
إنّ كل هذا يدلّ على أنّ المنزلة الرفيعة الّتي منحها الله تعالى لحبيبه المصطفى_ صلى الله عليه وآله وسلم _ كما صرّحت بها هذه الآية ليست خاصّة بحياته، بل تؤكّد على أنّها ثابتة له بعد وفاته أيضاً.
وبصورة عامّة... يَعتبر المسلمون كلّ الآيات النازلة في تعظيم رسول الله واحترامه، عامّة لحياته وبعد مماته، وليس هناك من يُخصِّصها بحياته _ صلى الله عليه وآله وسلم _.
وقد جاء في التاريخ: لمّا استُشهد الاِمام الحسن بن عليّ ٨ وجيء بجثمانه
الطاهر إلى مسجد رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ظنّ بنو أُمية أنّ بني هاشم يريدون دفن الاِمام
بجوار قبر جدّه المصطفى، فأثاروا الفتنة والضجّة للحيلولة دون ذلك، فتلا الاِمام
الحسين _ عليه السلام_ قوله تعالى: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا أصواتَكُمْ فَوقَ صَوتِ
النَّبِيِّ )[ ٣ ].
[١] وفاء الوفا ٤ : ١٣٦١؛ الدرر السنيّة : ص٧٥ ط. دار جوامع الكلم.
[٢] ابن حجر، الجوهر المنظم، وذكره السمهودي فيوفاء الوفا ٢: ٦١٢، وزينيدحلان فيالدررالسنية: ٢١.
[٣] الحجرات: ٢.