الزيارة في الكتاب والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤ - الإسلام دين الفطرة
مشاهير المفسّرين، وكلمة (فِطْرَتَ اللهِ ) الّتي نصبت على الاختصاص تفسير للدين، فالدين ـ بتمام معنى الكلمة ـ يوافق فطرة الاِنسان، بالمعنى الّذي عرفت، أي أنّ أُصوله وكلّياته تنسجم مع الفطرة وليست الآية وحيدة في بابها، بل لها نظائر في الذكر الحكيم تؤكّد مضمونها، وتثبت بوضوح كون معرفة المحاسن والمساوىَ والفجور والتقوى والميل إلى الفضائل، والانزجار عن الرذائل أمراً فطرياً إلى حدّ يقول سبحانه: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *** فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا )[ ١ ]وفي آية أُخرى: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ *** وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ )[ ٢ ].
فالاِنسان الطبيعي الّذي لم يتأثّر بالمناهج البشرية، يدرك المحاسن والمساوىَ، والفجور والتقوى والخير والشرّ، كرامة من الله سبحانه إليه.
ومن روائع الكلم ما روي عن الاِمام عليّ _ عليه السلام_ حول تحديد دعوة الاَنبياء وأنّ دورهم في مجال التربية تذكيرهم بمقتضيات الفطرة، يقول_ عليه السلام_:
«فبعثَ الله فيهم رُسُلَه، وواتَرَ إليهم أنبياءه؛ لِيستَأدوهم ميثاقَ فطرته، ويُذكِّروهم منسيَّ نعمتِه، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويُثيروا لهم دفائنَ العقول»[ ٣ ].
فالشرائع السماوية كأنّها تستنطِق الفطرة، وتُذكِّر بالنعمة المنسية بفعل الاَهواء والدعايات الباطلة، وقد أُمر حملتها بإثارة ما دفن في فطرة الاِنسان من جواهر المعقولات في مجالي العقيدة والشريعة.
وعلى ذلك فالشريعة ـ وفقَ الفطرة ـ مصباح ينير الدرب لكلّ ساع في طلب
الحقّ. وكلّ فكرة أو ميل، توحي إليهما الفطرة فهو آية كونه حقّاً، وكلّ فكرة أو
[١] الشمس: ٧ ـ ٨.
[٢] البلد: ٨ ـ ١٠.
[٣] نهج البلاغة: الخطبة ١.