رسالة تأثير الزمان و المكان على استنباط الأحكام - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٢
ثمّ إنّه يدل على ضمان المنافع المستوفاة عموم قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «لا يحل مال امرئ مسلم لأخيه إلّا عن طيب نفسه» و المنافع مال، و لأجل ذلك يجعل ثمنا في البيع و صداقا في النكاح، مضافا إلى السيرة العقلائية في تضمين الغاصب المنافع المستوفاة، و على ذلك فليس هاهنا مشكلة حتى تعالج بعنصر الزمان، و لم يكن الحكم المزعوم حكما شرعيّا حتى يتغير لأجل فساد أهل الزمان.
٣. في أصل المذهب الحنفي انّ الزوجة إذا قبضت مؤجّل مهرها تلزم بمتابعة زوجها حيث شاء، و لكن المتأخّرين لحظوا انقلاب الأخلاق و غلبة الجور، و انّ كثيرا من الرجال يسافرون بزوجاتهم إلى بلاد نائية ليس لهنّ فيها أهل و لا نصير، فيسيئون معاملتهنّ و يجورون عليهنّ، فأفتى المتأخرون بأنّ المرأة لو قبضت مؤجل مهرها لا تجبر على متابعة زوجها، إلى مكان إلّا إذا كان وطنا لها و قد جرى فيه عقد الزواج بينهما، و ذلك لفساد الزمان و أخلاق الناس، و على هذا استقرت الفتوى و القضاء في المذهب. [١] أقول: إنّ لحلّ هذا النوع من المشاكل طريقا شرعيا في باب النكاح، و هو اشتراط عدم إخراجها من وطنها أو أن يسكنها في بلد خاص، أو منزل مخصوص في عقد النكاح، فيجب على الزوج الالتزام به. و ليس مثل هذا الاشتراط مخالفا للكتاب و السنّة.
و لو افترضنا غفلة أولياء العقد عن الاشتراط و أراد الزوج إخراجها إلى بلاد نائية يصعب عليها العيش فيها و يعد حرجيّا لها، فللزوجة رفع الشكوى إلى الحاكم بغية عدم إخراجها من وطنها، فيحكم بعد تبيّن الحال بعدم
[١] مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام: ٢، برقم ٥٤٦.