رسالة تأثير الزمان و المكان على استنباط الأحكام - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٨
الحقيقة انّ الأحكام الشرعية التي تتبدّل بتبدّل الموضوعات مهما تغيرت باختلاف الزمن، فإنّ المبدأ الشرعي فيها واحد و ليس تبدّل الأحكام إلّا تبدّل الوسائل و الأساليب الموصلة إلى غاية الشارع، فإنّ تلك الوسائل و الأساليب في الغالب لم تحدّد من الشريعة الإسلامية بل تركتها مطلقة لكي يختار منها في كلّ زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجا و أنجح في التقويم علاجا.
ثمّ إنّ الأستاذ جعل المنشأ لتغير الأحكام أحد أمرين:
أ. فساد الأخلاق، و فقدان الورع و ضعف الوازع، و أسماه بفساد الزمان.
ب. حدوث أوضاع تنظيمية، و وسائل فرضية، و أساليب اقتصادية.
ثمّ إنّه مثّل لكل من النوعين بأمثلة مختلفة اقتبس بعضها من رسالة «نشر العرف» للشيخ ابن عابدين، و لكنّه صاغ الأمثلة في ثوب جديد، و لنذكر كلا الأمرين و أمثلتهما.
أ. تغيير الأحكام الاجتهادية لفساد الزمان
١. من المقرر في أصل المذهب الحنفي انّ المدين تنفذ تصرفاته في أمواله بالهبة و الوقف و سائر وجوه التبرّع، و لو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلّها، باعتبار انّ الديون تتعلّق بذمّته فتبقى أعيان أمواله حرة، فينفذ فيها تصرّفه، و هذا مقتضى القواعد القياسية.
ثمّ لما فسدت ذمم الناس و كثر الطمع و قلّ الورع و أصبح المدينون