رسالة تأثير الزمان و المكان على استنباط الأحكام

رسالة تأثير الزمان و المكان على استنباط الأحكام - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٥

التماس الكسب، حتى أصبح القيام بهذه الواجبات غير مضمون إلّا بالأجر، و لذلك أفتى المتأخّرون بجواز أخذ الأجور عليها حرصا على تعليم القرآن و نشر العلم و إقامة الشعائر الدينية بين الناس. [١] أمّا الفقه الإمامي، فالمشكلة فيه مرتفعة بوجهين:
الأوّل: إذا كان هناك بيت مال معدّا لهذه الأغراض لا تبذل الأجرة في مقابل العمل، بل الحاكم يؤمّن له وسائل الحياة حتى يتفرّغ للواجب.
الثاني: امّا إذا لم يكن هناك بيت مال فإذا كان أخذ الأجرة حراما منصوصا عليه و كان من صلب الشريعة فلا يمسّه عنصر الزمان و لكن يمكن الجمع بين الأمرين و تحليله عن طريق آخر، و هو أن يجتمع أولياء الصبيان أو غيرهم ممّن لهم حاجة إلى إقامة القضاء و الأذان و الإفتاء فيشاركون في سد حاجة المفتي و القاضي و المؤذن و المعلم حتى يتفرّغوا لأعمالهم العبادية بلا هوادة و تقاعس، على أنّ ما يبذلون لا يعد أجرة لهم و إنّما هو لتحسين وضعهم المعاشي.
و بعبارة أخرى: القاضي و المفتي‌ و المؤذّن و المعلم يمارس كلّ أعماله للّه سبحانه، و لكن بما انّ الاشتغال بهذه المهمة يتوقّف على سد عيلتهم و رفع حاجتهم فالمعنيّون من المؤمنين يسدّون عيلتهم حتى يقوموا بواجبهم و إلّا فكما أنّ الإفتاء واجب، فكذلك تحصيل الضروريات لهم و لعيالهم أيضا واجب. و عند التزاحم يقدّم الثاني على الأوّل إذا في خلافه، خوف هلاك النفوس و انحلال الأسرة، و لكن يمكن الجمع بين الحكمين على الطريق‌


[١] مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام: ٢، برقم ٥٤٧.