رسالة تأثير الزمان و المكان على استنباط الأحكام - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٣
الإخراج نتيجة طروء العناوين الثانوية كالحرج و الضرر، فليس للزمان هنا أي مدخلية في تغيير الحكم، بل يكمن الحكم الشرعي في نفس الشرع.
٤. في أصل المذهب الحنفي و غيره انّ القاضي يقضي بعلمه الشخصي في الحوادث، أي أنّ علمه بالوقائع المتنازع فيها يصح مستندا لقضائه، و يغني المدّعي عن إثبات مدّعاه بالبيّنة، فيكون علم القاضي بواقع الحال هو البيّنة، و في ذلك أقضية مأثورة عن عمر و غيره، و لكن لوحظ فيما بعد انّ القضاة قد غلب عليهم الفساد و السوء و أخذ الرشا، و لم يعد يختار للقضاء الأوفر ثقة و عفة و كفاية بل الأكثر تزلّفا إلى الولاة و سعيا في استرضائهم و إلحافا في الطلب.
لذلك أفتى المتأخّرون بأنّه لا يصحّ أن يقضي القاضي بعلمه الشخصي في القضاء بل لا بدّ أن يستند قضاؤه إلى البيّنات المثبتة في مجلس القضاء حتى لو شاهد القاضي بنفسه عقدا أو قرضا أو واقعة ما بين اثنين خارج مجلس القضاء ثمّ ادّعى به أحدهما و جحدها الآخر، فليس للقاضي أن يقضي للمدّعي بلا بيّنة، إذ لو ساغ ذلك بعد ما فسدت ذمم كثير من القضاة، لزعموا العلم بالوقائع زورا، و ميلا إلى الأقوى وسيلة من الخصمين، فهذا المنع و إن أضاع بعض الحقوق لفقدان الإثبات لكنّه يدفع باطلا كثيرا، و هكذا استقر عمل المتأخرين على عدم نفاذ قضاء القاضي بعلمه.
على أنّ للقاضي أن يعتمد على علمه في غير القضاء من أمور الحسبة و التدابير الإدارية الاحتياطية، كما لو علم ببينونة امرأة مع استمرار الخلطة بينها و بين زوجها، أو علم بغصب مال؛ فإنّ له أن يحول بين الرجل