الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٤ - الاستعانة بغير اللّه
ولقد أشارت سورة التوحيد إلى تلك الحقيقة، إذ بيّنت أنّ المعين الحقيقي والواقعي وفي جميع المراحل هو اللّه، فلا تصحّ الاستعانة بأحد باعتبار معيناً مستقلاً ولهذه الجهة حصرت مثل هذه الاستعانة باللّه وحده، ولكن هذا لا يمنع بتاتاًمن الاستعانة بغير اللّه باعتبار ذلك الغير غير مستقل(أي باعتباره معيناً بالاعتماد على القدرة الإلهية)، ومعلوم أنّ استعانة كهذه لا تنافي حصر الاستعانة باللّه سبحانه، وذلك:
أوّلاً: لأنّ الاستعانة المخصوصة باللّه هي غير الاستعانة بالعوامل الأُخرى، فالاستعانة المخصوصة باللّه هي: ما تكون باعتقاد أنّه قادر على إعانتنا بالذات وبدون الاعتماد على غيرها، في حين أنّ الاستعانة بغير اللّه سبحانه إنّما هي على نحو آخر، أي مع الاعتقاد بأنّ المعين قادر على الإعانة مستنداً على القدرة الإلهية لا بالذات وبنحو الاستقلال; فإذا كانت الاستعانة ـ على النحو الأوّل ـ خاصة باللّه تعالى، فإنّ ذلك لا يدلّ على أنّ الاستعانة بصورتها الثانية مخصوصة به أيضاً.
ثانياً: إنّ الاستعانة بمخلوقات اللّه غير منفكّة عن الاستعانة باللّه، بل هي عين الاستعانة به تعالى، وليس للموحد الذي يرى أنّ الكون كلّه من فعل اللّه ومسند إليه مناص من هذا، وبما أنّ صاحب المنار لم يتصوّر للاستعانة بالأرواح المقدّسة أكثر من صورة واحدة، لذلك ذهب إلى الملازمة بين الاستعانة بها وبين الشرك حيث يقول:
«ومن هنا تعلمون انّ الّذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم وتيسر أُمورهم و شفاء أمراضهم و نماء حرثهم و زرعهم و هلاك أعدائهم وغير ذلك من المصالح، هم عن صراط