الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤١٩ - الدليل الأوّل على استقلالية الآية
يشهد على وجود الكثير من الحالات التي هي نظيرة لهذه الآية، أي أنّ الآية تنزل بصورة مستقلة ثمّ توضع وبأمر من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ضمن آيات معينة.[١]
ولا ريب أنّ هذا الأمر لا يؤثر على بلاغة القرآن وفصاحته، لأنّ ذلك من فنون البلاغة وأساليبها، يقول الطبرسي: من عادة فصحاء العرب في كلامهم انّهم يذهبون من خطاب إلى غيره ويعودون إليه. والقرآن من ذلك مملوء، وكذلك كلام العرب وأشعارهم.[٢]
ونشير إلى إحدى الشواهد القرآنية التي تؤيد هذه النظرية وتثبت صحّة ما قاله المفسّرون، وذلك الشاهد هو ما ورد في قصة يوسف ـ عليه السَّلام ـ فإنّه حينما انكشفت خيانة زوجة العزيز وعلم العزيز بمكرها التفت إليها مخاطباً لها:
(قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظيمٌ).[٣]
نرى أنّ العزيز يخاطب أوّلاً امرأته بقوله:(إِنّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ) وقبل أن يفرغ من كلامه معها يلتفت إلى يوسف ويخاطبه بقوله:(يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) ثمّ يرجع إلى الموضوع الأوّل ويخاطب زوجته بقوله: (وَاسْتَغْفِري لِذَنْبِكِ)[٤]، فقوله:(يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) جملة معترضة وقعت بين المخاطبين والمسوغ لوقوعها بينهما كون المخاطب الثاني أحد المتخاصمين وكانت له صلة تامة في الواقعة التي حدثت.
[١] يقول السيوطي في كتاب الإتقان:١/١٧٦، الفصل الثامن عشر في جمع وترتيب القرآن، نقلاً عن ابن الحصار: ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنّما كان بالوحي كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «ضعوا آية كذا في موضع كذا».
[٢] مجمع البيان:٨/٣٥٧.
[٣] يوسف:٢٨.
[٤] يوسف:٢٩.