الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥١ - ١ التوحيد في الحاكمية
وحده، وانّه لا يحق لأحد أن يحكم العباد دونه، وأنّه لا شرعية لحاكمية الآخرين إلاّ إذا كانت مستمدة من الولاية والحاكمية الإلهية وقائمة بأمره تعالى، وفي غير هذه الصورة لن يكون ذلك الحكم إلاّ «حكماً طاغوتياً» لا يتّصف بالشرعية مطلقاً ولا يقرّه القرآن والشرع أبداً.
على أنّنا حينما نطرح هذا الكلام ونقول: بأنّ الحكم محض حقّ للّه تعالى وأنّ الحاكمية منحصرة فيه دون سواه، فليس يعني ذلك أنّ على اللّه أن يباشر هذه الحاكمية بنفسه، ويحكم بين الناس ويدير شؤون البلاد والعباد دونما واسطة، ليقال إنّ ذلك محال وغير ممكن، أو يقال إنّ ذلك يشبه مقالة الخوارج إذ قالوا للإمام علي ـ عليه السَّلام ـ رافضين حكمه وإمارته:
«إن الحكم إلاّ للّه، لا لك يا علي، ولا لأصحابك».[١]
بل مرادنا هو: أنّ حاكمية أي شخص يريد أن يحكم البلاد والعباد، لابدّ أن تستمد مشروعيتها من:«الإذن الإلهي» له بممارسة الحاكمية، فما لم تكن مستندة إلى هذا الإذن لم تكن مشروعة ولم يكن لها أي وزن، ولا أي قيمة مطلقاً.
ونفس هذا الكلام جار في مسألة الشفاعة أيضاً، فعندما يصرّح القرآن وبوضوح قائلاً: (قُلْ للّهِ الشَّفعَةُ جَمِيعاً). [٢] لايعني أنّه لا يشفع إلاّ اللّه، إذ لا معنى لأن يشفع اللّه لأحد، بل المفاد والمراد من هذه الآية هو أنّه ليس لأحد أن يشفع إلاّ بإذن اللّه، وأنّه لا تنفع الشفاعة إذا لم تكن برضاه ومشيئته.
[١] كان هذا شعار الخوارج يرددونه في المسجد وغيره من الأمكنة.
[٢] الزمر:٤٤.