كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد قسم الالهيات - العلامة الحلي، تقرير الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ١١٣ - المسألة الثانية عشرة في اللطف وماهيته وأحكامه
قال: ولابدّ من المناسبة وإلاّ ترجح بلا مُرجِّح بالنسبة إلى المنتسبين.
أقول: لما فرغ من الاعتراضات على وجوب اللطف شرع في ذكر أحكامه، وقد ذكر منها خمسة:
الأول: أنّه لابدّ وأن يكون بين اللطف والملطوف فيه مناسبة.
والمراد بالمناسبة هنا كون اللطف بحيث يكون حصوله داعياً إلى حصول الملطوف فيه، وهذا ظاهر، لأنّه لولا ذلك لم يكن كونه لطفاً أولى من كون غيره لطفاً، فيلزم الترجيح من غير مرجح [١]، ولم يكن كونه لطفاً في هذا
[١] حاصله: أنّه إذا افترضنا أنّ الغنى والفقر كانا لطفاً في دعوة المكلّف إلى الصلاة، فلو اختار سبحانه الأوّل يلزم الترجيح بلا مرجح.
ثم إذا لم تكن المناسبة معتبرة فلماذا صار الغنى لطفاً في حق هذا الفعل (الصلاة) ولم يكن لطفاً في حق الفعل الآخر (الحج) وهو أيضاً ترجيح من غير مرجح، فلا محيص عن اعتبار المناسبة، ولعلّه إلى ذلك يشير قوله سبحانه: (وبَلَوْناهُمْ بالحَسناتِ والسَّيِّئاتِ لَعلَّهمْ يَرجِعُون) (الأعراف : ١٦٨).
وقوله تعالى: (فَأَخذْناهُمْ بالبأْساءِ والضَّـرّاءِ لَعلَّهم يَتضرَّعونَ)
(الأنعام:٤٢).
ثم إنّ الماتن ذكر الشروط الباقية وهي أربعة:
[١] أن لا يبلغ حدّ الإلجاء، وأكثر من اعترض على قاعدة اللطف كصاحب المواقف، غفل عن هذا الشرط ولو التفت هو أو غيره إلى هذا الشرط، لما سلّوا سيوفهم عن أغمادها.
[٢] أن يعلم المكلّف بوجود اللطف إجمالاً أو تفصيلاً لأنّه إنّما يدعو إلى الطاعة بوجوده العلمي لا بوجوده الواقعي فقط وإن لم يقف عليه المكلّف، كما إذا وقف حابس الزكاة على أنّ المرض الشائع في القطيعة، تنبيه من اللّه وعندئذ يقرّب الإلتفات من الطاعة، ويؤدي الفريضة.
[٣] أن يكون فيه وراء الحسن، أمر آخر هو ملاك اللطفية، وإلاّ فالمباح بما هو حسن لا يكون لطفاً، لكن يمكن أن يقال: إنّ وجود المباحات الكثيرة التي وسّعت الحياة للعباد، وجعلتهم في يسر ورفق، لطف من اللّه ومقرب لدخول الناس في دين الإسلام ولولاه، لما دخل أكثرهم فيه، والحسن عبارة عمّـا ليس بقبيح فيشمل المباحات ولا يشترط وراء الحسن شيء زائد.
[٤] اللطف يدخله التخيير كما في الكفّارات المخيرة.
[٥] اللطف يجب أن يكون حسناً بالذات، فلا يمكن عدّ تسلّط الظالم على العباد لطفاً من اللّه وإن كان يترتب عليه التوجه إلى اللّه سبحانه وذلك لأنّ تسلّطه عليهم نتيجة أعمالهم (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّم للعبيدِ)
(الأنفال/٥١).