كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد قسم الالهيات - العلامة الحلي، تقرير الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ١٠٣ - المسألة الحادية عشرة في حسن التكليف وبيان ماهيته ووجه حسنه وجملة من أحكامه
وأن يكون القبيح ممتنعاً عليه لئلاّ يخلّ بالواجب فلا يوصل الثواب إلى مستحقه.
وأمّا ما يرجع إلى المكلَّف: فأن يكون قادراً على الفعل.
وأن يكون عالماً به أو متمكّناً من العلم به.
وإمكان الآلة أو حصولها إن كان الفعل ذا آلة.
قال: ومتعلقه إما علمٌ إما عقلي أو سمعي وإما ظنٌ وإما عملٌ.
أقول: متعلق التكليف قد يكون علماً وقد يكون عملاً.
أمّا العلم، فقد يكون عقلياً محضاً نحو العلم بوجود اللّه تعالى وكونه قادراً عالماً، إلى غير ذلك من المسائل التي يتوقف السمع عليها، وقد يكون سمعياً نحو التكاليف السمعية. وأمّا الظن فنحو كثير من الأمور الشرعية كظن القبلة وغيرها.
وأمّا العمل، فقد يكون عقلياً كردّ الوديعة وشكر المنعم وبرّ الوالدين وقبح الظلم والكذب وحسن التفضل والعفو، وقد يكون سمعياً كالصلاة وغيرها، وهذه الأفعال تنقسم إلى الواجب والمندوب والحرام والمكروه.
قال: وهو منقطعٌ للإجماع ولإيصالِ الثواب [١].
أقول: يريد أن التكليف منقطع، ويدلّ عليه الإجماع والمعقول.
[١] استدل الماتن على انقطاع التكليف بوجهين وأضاف الشارح وجهاً ثالثاً:
[١] الإجماع على الانقطاع. ٢ـ إيصال الثواب، لأنّه مشروط بالخلوص عن المشاق، والتكليف مقترن بالمشقة فلا يجتمعان. ٣ـ ما ذكره بقوله «ولابد من تراخ بين التكليف والثواب وإلاّ لزم الإلجاء» وذلك لأنّه لو كان ثواب كل تكليف مقروناً بالجزاء لما انفك التكليف عن الطاعة ولكن لا عن اختيار بل أشبه بالإلجاء، وهو بالنسبة إلى الغاية المتوخاة من التكليف في طرف النقيض، إذ يجب أن يكون المكلَّف على حالة تكون نسبة الطاعة والعصيان إليه سواسية، حتى يمتاز المطيع عن اختيار عن العاصي كذلك، وذلك لا يجتمع مع كون الجزاء مقروناً بالتكليف طول الحياة فإنّ الأجير إذا عاين الجزاء لما انفك عنه العمل.
هذاما ذكره الشارح، ولكن الظاهر من الشيخ المفيد انقطاع التكليف الشرعي في الآخرة دون التكليف العقلي، ولعل مراد الماتن والشارح ذلك أيضاً، أي يكون التكليف من جانب الشارع مقطوعاً دون التكليف من جانب العقل، قال المفيد: «إنّ أهل الآخرة مأمورون بعقولهم بالسداد، وماحسن لهم في دار الدنيا من الرشاد ـ إلى أن قال ـ: إنّ أهل الآخرة صنفان: فصنفمنهم في الجنّة، وهم فيها مأمورون بما يؤثرون ويخفّ على طباعهم ويميلون إليه ولا يثقل عليهم من شكر المنعم سبحانه وتعظيمه وحمده على تفضّلهعليهم وإحسانه إليهم، ...والصنف الآخر في النار ...وليس يتعرون من الأمر والنهي بعقولهم» [١]
.
[١] المفيد: أوائل المقالات: ٦٧(=ط.أخرى:١٠٦).