القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع - الإصبهاني، شيخ الشريعة، تحقیق حسين الهرساوي - الصفحة ١٤
ثلاث رسائل : صغير ، ووسيط ، وكبير[١] ، وأخرى عند ما نظر إلى الكتب المشتهرة بالصحاح والسنن لأهل السنة ولاسيّما الصحيح لمحمد بن اسماعيل البخاري ، الذي يعتمد في كثير من رواياته على النواصب وأهل البدع وعلى الضعفاء ، مع أنّه لم يروي عن الإمام جعفر الصادقـ عليه السَّلام ـ ابن الإمام محمد بن علي الملقب على لسان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بباقر العلومـ عليه السَّلام ـ ! وأهمل الرواية عن أهل البيت ، لتأثره بأمثال يحيى بن سعيد الناصبي .
ذكر في مقدمة نخبة الأزهار : يمتاز الشيخ على كثير من الفقهاء المعاصرين له بالموسوعية والمطالعة الطويلة في العلوم التي لاتدخل في نطاق الفقه من قريب ، فقد كان كما ينقل قوي الحافظة ، مرهف الشعور ، سريع الإنتقال ، كثير القرائة ، ومداوم النظر في الكتب المتفرقة ، وتجمع هذه الصفات فيه خلقت منه عالماً يلم بفروع العلوم المتداولة في بيئته وغير المتداولة .
ففي الفقه وأُصوله كان بارعاً لم يشق له غبار ، وأذعن بتفوّقه فيهما من أتى بعده من شيوخ العلم في حوزة النجف وغيرها[٢] .
وقال أيضاً : كان الشيخ أيام دراسته باصبهان يمارس التدريس لحلقة من الطلاب ، ولما عاد من مشهد انقطع إلى التدريس كما ذكرنا ، وعندما هاجر إلى
[١] قال الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة : المناظرات مع ابن الآلوسي ، في اثبات وجود الحجة وامامته لشيخنا الحاج ميرزا فتح الله المشتهر بشيخ الشريعة بن الحاج ميرزا محمد جواد ، وهي ثلاث رسائل ، صغير ، ووسيط ، وكبير ، ومجموعها ٣٧٠٠ بيت في تحقيقات وتدقيقات رشيقة وجوابات كافية وافية ، استنسخه صدر الإسلام الخوئي . الذريعة إلى تصانيف الشيعة ٢٢ : ٣٨٣ رقم ٧١١٢ .
[٢] نخبة الأزهار في أحكام الخيار: ٨ ، تقرير لأبحاث الشيخ صاحب الترجمة ـ رحمه الله ـ ألّفها العالم الرباني آية الله الشيخ محمد حسين السبحاني ـ قدس سره ـ.
١٥
النجف زاول التدريس أيضاً ضمن تتلمذه على أساتذتها حتى سنة ١٣١٣ هـ، حيث رجع من الحج ، وفيها استقل بإلقاء محاضراته العالية في الفقه والأُصول وغيرهما ، معنياً بتربية رجال العلم ومنصرفاً إلى تنشئة العلماء والأفاضل ، ويتفق مترجموه على أنه ربّى مئات من أهل العلم في حوزة اصبهان والنجف ، وكانت حلقة درسه مرغوباً فيها ، يتوافد عليها الطلاب والراغبون في الدرسات العالية [١] .
قال الزركلي في الأعلام : شيخ الشريعة فقيه إمامي من كبار المشاركين في ثورة العراق الأول على الإنكليز أصله من شيراز من أسرة تعرف بالنمازية، ومنشأه باصبهان، تفقه وقرأ علوم العربية وانتقل إلى النجف فانتهت إليه رياسة علمائها[٢].
وفي معجم المؤلفين : فتح الله بن محمد جواد النمازي الشيرازي الإصبهاني الغروي الملقب بشريعة مدار ، فقيه أصولي شارك في بعض العلوم ، أصله من مدينة شيراز ، وولد باصبهان في ١٢ ربيع الأول، وساهم في ثورة العراق أيام الاحتلال البريطاني سنة ١٣٣٩ هـ ، ودعاه الحاكم المدني البريطاني للتفاوض لوقف الثورة ، فكتب المترجم إليه مشترطاً : « منح العراق استقلاله التام » [٣] .
وقد استمر الجهاد حتى دخل الجيش البريطاني النجف فعند ذلك تفرق الناس ، ولبث الشيخ في بيته [٤]، وحاولو بينه وبين من يريد اصلاح مجتمعه
[١] نفس المصدر السابق.
[٢] الأعلام: ٥ / ١٣٥ .
[٣] معجم المؤلفين: ٨ / ٥٢ ـ ٥٣ .
[٤] معجم رجال الفكر: ٢ / ٧٦٧.
١٦
وأمته ، وقد نصبوا عليه العيون والمراصد على الداخل والخارج من بيته حتى خادمه وبعض حفدته [١] .
فأصيب الشيخ على أثر جهاده بمرض عضال في صدره ، فكان طريح الفراش ، واشتدّت عليه الآلام إلى أن اختار الله تعالى له الدار الآخرة ، فتوفي في النجف الأشرف ليلة الأحد من شهر ربيع الثاني سنة ١٣٣٩ هـ ودفن في الصحن الغروي الشريف في أحد الغرف الشرقية .
شيخ الشريعة وثورة العشرين
عند ما يذكر تاريخ العراق المعاصر والحوادث الّتي جرت فيه منذ احتلال الانكليز للعراق ، وحتى اندلاع ثورة العشرين يبرز هذا الاسم الكريم في حركة الجهاد الإسلامي وقيادة الثورة بعد غياب الإمام محمد تقي الشيرازي .
تولّى شيخ الشريعة في غمرة تلك الظروف العاصفة المرجعية الدينية وقيادة الثورة العراقية الكبرى وقد تمّ تشكيل قيادة عليا للثورة تضم رموزاً من زعماء العشائر العراقية .
وعندما عرض الانكليز فكرة التفاوض وحدث الانقسام بين قادة الثورة كان شيخ الشريعة زعيماً للخط الذي رفض الفكرة وأصدر بيانه الشهير :
«لا مفاوضة قبل الجلاء » وانه سيستخدم المگوار [٢] إذا أعوزهم السلاح [٣] .
[١] معارف الرجال : ٢ / ١٥٤ رقم ٢٨١ .
[٢] المگوار : عصا غليظة ينتهي أحد طرفيها بكتلة من القار الصلد ، وهو معروف جداً في جنوب العراق .
[٣] أنظر : تاريخ الحركة الإسلامية في العراق الجذور الفكرية والواقع التاريخي ، لعبدالحليم الرهيمي .
١٧
قال الزركلي في الأعلام : برز اسمه في ثورة العراق أيام الإحتلال البريطاني سنة ١٩٢٠ م ، وتناقل الناس ما أصدره من الفتاوى فيها ، وكان في بدئها عوناً لآية الله محمد تقي الشيرازي سنة ١٣٣٨ هـ انتقلت إليه الزعامة وانتقل مركز القيادة من كربلاء إلى النجف[١] .
شيخ الشريعة وكتبه العلمية
ومن بين نشاطات الشيخ العلمية يبرز عدد من الكتب القيمة التي تتسم بالعمق في الموضوع وأحياناً الإبتكار ، وإليك أسماء ما وقفنا عليه من تلكم الدرر الغالية :
١ ـ ابانة المختار في ارث الزوجة من ثمن العقار ، (مطبوع ).
٢ ـ ابرام القضاء في وسع القضاء .
٣ ـ افاضة القدير في أحكام العصير ، (مطبوع ).
٤ ـ انارة الحالك في قراءة « مَلِك » و« مالِك » .
٥ ـ رسالة في علم الباري .
٦ ـ رسالة في التفصيل بين جلود السباع وغيرها .
٧ ـ رسالة في المتمم كرّاً .
٨ ـ رسالة في العصير العنبي .
٩ ـ تعاليق على الفصول في الأصول .
١٠ ـ صيانة الإبانة عن وصمة الرطانة .
[١] الأعلام ٥ : ١٣٥ .
١٨
١١ ـ قاعدة لا ضرر ، (مطبوع ).
١٢ ـ قاعدة الواحد البسيط .
١٣ ـ قاعدة الطهارة .
١٤ ـ القول الصراح في نقد الصحاح ، ( وهي هذه الرسالة القيّمة بين يديك ) .
١٥ ـ المناظرات مع الآلوسي، وهي ثلاث رسائل ، الصغير ، والوسيط ، والكبير .
هذا ما عدا حواشيه على كثير من الكتب الدراسية ورسائله العملية الفتوائية لعمل مقلديه ، وغيرها[١] .
وقد ذكر المحقق منهجه في التحقيق وهو كما يلي:
كلمة المحقق
اعتمدنا في تحقيق هذا الأثر النفيس على النسخة التي كانت في مكتبة مؤسسة الأمام الصادقـ عليه السَّلام ـ المعمورة بإشراف صاحب السماحة العلامة آية الله الأُستاذ الشيخ جعفر السبحاني دام ظله ، فإنه منّ عليّ بمخطوطها.
والنسخة كانت بخط نستعليق جيد ولكن فيها أخطاء كثيرة .
ويظهر منها أيضاً ; كما أشار إليها الشيخ صاحب الذريعة ، أنّها كانت سقيمة ، فقد كتب على ظهر النسخة بخطه : «استكتبته عن نسخة بخط المؤلف وهي ناقصة الآخر ولم يسمّها طاب ثراه باسم ولكن اخترت له هذا الاسم
[١] مقدمة نخبة الأزهار : ١٠و١١ .
١٩
الكاشف عن معناه، وكانت النسخة كراريس ، ضاعت منها صفحات أردت إحياءها ولم تحصل لي فرصة المقابلة والتصحيح الكامل وعملت له فهرس مطالبه تسهيلاً للتناول » .
ونحن بحمد الله وجدنا في أثناء التحقيق أكثر الموارد المفقودة التي أشار إليها الشيخ صاحب الذريعة من المصادر المأخوذة المشار إليها في المتن ، وأدرجناها بين ][ .
وأما الصفحات الضائعة المتعلقة بآخر الكتاب فإنه قد ألحقنا تتمة ما في ترجمة سبط ابن الجوزي ، وأضفنا عليه مابعدها تحت عنوان «التكملة» في تراجم بعض رجال الحديث لكي يكمل المقصود ويحصل المطلوب .
وأما المصادر والمآخذ المذكورة في الكتاب فكثيرة جداً ، فما وصلنا إليها أدرجناه في التخريجات ، وما لم نصل، وكذا ما لم يكن له أهمية في التخريج سكتنا عنه ».
o o o
هذا نص شيخنا المحقق ونحن بدورنا نتقدم بالشكر والثناء له ونرجو منه سبحانه أن يوفقّه لإخراج ما لعلمائنا من التراث الثمين.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين .
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ
٢٢ رجب المرجب ١٤٢١ هـ