قواعد العقائد - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٠٦ - النسخ جائز
تعالى.وذلك ليس بصحيح، فانّ البداء لايتحقّق إلاّ بكون المحكوم عليه والوقت غير مختلفين.وتمسّكوا بقول موسى ـ على نبيّنا وآله و عليه السّلام ـ: «تمسّكوا
وليس هذا من البداء المحال على اللّه تعالى، بل هو إبداء وإظهار للمكلّفين الجاهلين بغاية الحكم وحده.
روى الطبرسي في الاحتجاج عن أبي محمّد العسكري ـ عليه السّلام ـ
أنّه جاء قوم من اليهود إلى رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فقالوا: يا محمّد! هذه القبلة بيت المقدس قد صلّيت إليها أربع عشرة سنة ثمّ تركتها الآن، أفحقّاً كان ما كنت عليه فقد تركته إلى باطل؟ أو باطلاً كان ذلك فقد كنت عليه طول هذه المدّة، فما يؤمننا أن تكون الآن على باطل؟
فقال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «بل ذلك كان حقّاً وهذا حق، يقول اللّه: (قُلْ للّهِ المَشْرقُ وَ الْمَغْربُ يَهدي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراط مُسْتَقيم) (البقرة / ١٤٢) .
فقالوا له: يا محمّد! أفبدا لربك فيما كان أمرك به بزعمك من الصلاة إلى بيت المقدس حتى نقلك إلى الكعبة؟
فقال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «ما بدا له عن ذلك، فإنّه العالم بالعواقب والقادر على المصالح، لايستدرك على نفسه غلطاً ولايستحدث رأياً بخلاف المتقدّم جلّ عن ذلك».
ثمّ قال صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «يا عباد اللّه !أنتم كالمرضى واللّه ربّ العالمين كالطبيب، فصلاح المرضى فيما يعلمه الطبيب ويدبِّره به، لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه».[١]
فاتّضح بطلان ما زعمه اليهود من استحالة القول بالنسخ عقلاً.
وأمّا الاستدلال بما نقلوه عن موسى ـ عليه السّلام ـ
: «تمسكوا بالسبب أبداً» فمردود سنداً ودلالة، لعدم ثبوت ذلك النقل عنه بالتواتر المفيد لليقين، لأنّ نقل التوراة التي في أيديهم ونقل أخبارهم غير متّصل، بل منقطع بما فعل بهم «بخت نصّر»، لأنّهم كانوا مجتمعين في الشام إلى أن قتل «بخت نصّر» أكثرهم ولم يبق منهم إلاّ عدد يسير دون عدد التواتر، ولو كانوا بحيث يعتبر التواتر بعددهم لما صارت التوراة ثلاث نسخ مختلفة، إحداها التي في أيدي القرابين والربانيين، والثانية التي في أيدي السامرة، والثالثة النسخة المعروفة بتوراة السبعين التي اتّفق عليها سبعون حبراً من أحبارهم، وهي في أيدي النصارى والاختلاف الذي بين هذه النسخ في التواريخ والشرعيات مشهور.
[١] لاحظ الاحتجاج: ص٤١ـ ٤٢، ط نشر المرتضى.