قواعد العقائد - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٠٤ - طريقة الحكماء في إثبات النبوة
فإذن لايمكن استقامة أُمور نوع الإنسان إلاّ بنبيّ ذي معجز، يخبرهم عن ربهم بما لايمتنع في عقولهم، ويظهر العدل، ويدعوهم إلى الخير،[١] ويعدهم بما يرغبون فيه إن استقاموا، ويوعدهم بما يكرهونه إن لم يستقيموا; ويمهّد لهم قوانين في عبادة بارئهم القادر على كلّ ما يشاء المطّلع على الضمائر، الغنيّ عن غيره، لكيلا ينسوه ويقبلوا شريعته ظاهراً وباطناً; وقواعد يقتضي العدل في الأُمور المتعلّقة بالأشخاص وبالنوع والسياسة لمن لايقبل تلك القوانين أو يعمل بخلافها، ليستمرّ الناس على ما ينفعهم في دنياهم وأُخراهم، فإنّ من الممتنع ممّن يجعل في بنية كلّ حيوان ما ذكر في علمي التشريح ومنافع الأعضاء أن يهمل ما يقتضي مصلحتهم في معاشهم ومعادهم.فهذا ما ذكره الحكماء في هذا الباب.
[١] القوانين التي جاءت بها الأنبياء ناظرة إلى ثلاثة مجالات كلية:
الف: عبادة اللّه سبحانه من الصلاة والصوم والحجّوغير ذلك وإليه أشار بقوله: «ويمهّد لهم قوانين في عبادة بارئهم...».
ب: حياة الإنسان الفردية وما له من المسؤولية تجاه بدنه ونفسه وأبعاده الوجودية، وهذا هو مراد المصنّف بقوله: «وقواعد يقتضي العدل في الأُمور المتعلّقة بالأشخاص».
ج: حياة الإنسان الاجتماعية، وهذا معنى قوله: «وبالنوع».
وبما أنّ الإنسان قد يطغى ولا يراعي ما وضع له من الحدود والقوانين الشرعية، فلابدّ من قوانين جزائية ومقرّرات تأديبيّة لإجراء العدل وتنفيذ القوانين في المجتمع، وإليه أشار بقوله: «والسياسة لمن لا يقبل تلك القوانين أو يعمل بخلافها».
قال سبحانه: (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا الحَديدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ...)(الحديد/٢٥) .