تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٩٨ - ٢٣٠٩ ـ زياد بن عبيد
أيكم يخرج منها ويستخلف فأبى القوم ـ وكان أزهدهم فيها ـ فقلدوها إياه فاستخلف عثمان ، فما زال كل رجل من أهل الشورى يطمع فيها ، ويطمع له فيها أحباؤهم حتى وثبوا على عثمان فقتلوه ، واختلفوا بينهم حتى قتل بعضهم بعضا فهذا الذي سفك دماء هذه الأمة وشق عصاها وفرّق ملأها.
أخبرنا أبو العزّ أحمد بن عبيد الله ـ إذنا ومناولة ، وقرأ عليّ إسناده ـ أنبأ أبو علي محمد بن الحسين ، أنا المعافى بن زكريا [١] ، نا أحمد بن الحسن الكلبي ، نا محمد بن زكريا ، أنا عبد الله بن الضّحّاك نا هشام بن محمد ، عن أبيه قال : كان سعيد بن سرح مولى حبيب بن عبد شمس شيعة لعلي بن أبي طالب ، فلما قدم زياد الكوفة واليا عليها أخافه ، وطلبه زياد فأتى الحسن بن علي ، فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته فحبسهم ، وأخذ ماله وهدم داره ، فكتب الحسن إلى زياد : من الحسن بن علي إلى زياد ، أما بعد فإنك عمدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ، فهدمت داره وأخذت ماله وعياله فحبستهم ، فإذا أتاك كتابي هذا فابن له داره ، واردد عليه عياله وماله ، فإني قد أجرته فشفّعني فيه ، فكتب إليه زياد : من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة ، أما بعد فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي ، وأنت طالب حاجة ، وأنا سلطان وأنت سوقة ، كتبت إلي في فاسق لا يؤويه إلّا مثله ، وشرّ من ذلك توليه أباك [٢] ، وإياك وقد علمت أنك قد آويته إقامة منك على سوء الرأي ، ورضا منك بذلك ، وأيم الله لا تسبقني به ولو كان بين جلدك ولحمك. وإن نلت بعضك غير رفيق بك ولا مرع عليك ، فإن أحبّ لحم إليّ آكله للحم الذي أنت منه ، فأسلمه بجريرته إلى من هو أولى به منك ، فإن عفوت عنه لم أكن شفّعتك فيه ، وإن قتلته لم أقتله إلّا بحبه إياك.
فلما قرأ الحسن ٧ الكتاب تبسم وكتب إلى معاوية يذكر له حال ابن سرح وكتابه إلى زياد فيه وإجابة زياد إياه ولفّ كتابه في كتابه وبعث به إلى معاوية ، وكتب الحسن إلى زياد : من الحسن بن فاطمة إلى زياد بن سميّة : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» ، فلما وصل كتاب الحسن إلى معاوية وقرأ معاوية الكتاب ضاقت به الشام وكتب
[١] الخبر في الجليس الصالح الكافي ٣ / ١٦٠ وقارن بما ورد في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٦ / ١٨.
[٢] عن الجليس الصالح وبالأصل : إياك.