تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٧٥ - ٢٣٠٩ ـ زياد بن عبيد
وانصرف محمودا عند أصحابه مشكورا عند أهل الناحية ، ودخل [على] عمر وعنده المهاجرين والأنصار ، فخطب خطبة لم يسمع مثلها حسنا ، فقال عمرو بن العاص : لله هذا الغلام لو كان أبوه قرشيا لساق العرب بعصاه ، فقال أبو سفيان ، وهو حاضر في المجلس ، فقال : والله إني لأعرف أباه ومن وضعه في رحم أمه ، فقال [علي :][١] يا أبا سفيان اسكت فإنك لتعلم أنّ عمر إن سمع هذا القول منك كان سريعا إليك بالشرّ فأنشأ أبو سفيان يقول [٢] :
| أما والله لو لا خوف شخص | يرانا يا عليّ من الأعادي | |
| لأظهر أمره صخر بن حرب | ولم تكن المقالة عن زياد | |
| فقد طالت مجاملتي ثقيفا | وتركي عندهم عرضا فؤادي [٣] |
فلما قلد علي الخلافة قلّد زياد بن أبيه فارس فضبطها وحمى قلاعها ، وأباد [٤] الأعداء بناحيتها ، وحدّ أثره فيها ، واتصل الخبر بمعاوية فساءه ذلك ، وعظم عليه ، وكتب إلى زياد : أما بعد فإن العشّ الذي ربيت فيه معلوم عندنا ، فلا تدع أن تأوي كما تأوي الطير في أوكارها ، ولو لا والله أعلم به لقلت ما قاله العبد الصالح : (فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها ، وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ)[٥] وكتب في آخر كتابه :
| لله درّ زياد أيّما رجل | لو كان يعلم ما يأتي وما يذر | |
| تنسى أباك وقد خفّت نعامته | إذ يخطب الناس والوالي لنا عمر | |
| فافخر بوالدك الأدنى ووالدنا | إنّ ابن حرب له في قومه خطر | |
| إن ابتهارك قوم [٦] لا تناسبهم | إلّا بأمك عار ليس يغتفر | |
| فاترك ثقيفا فإن الله باعدهم | عن كلّ فضل به تعلو الورى مضر | |
| فالرأي مطرف والعقل تجربة | فيها لصاحبها الإيراد والصدر |
فلما ورد الكتاب على زياد قام في الناس فقال : العجب كل العجب من ابن آكلة
[١] زيادة عن الوافي بالوفيات ١٥ / ١٠.
[٢] الأبيات في الاستيعاب ١ / ٥٦٩ هامش الإصابة ، والوافي بالوفيات ١٥ / ١١.
[٣] عجزه في المصدرين : وتركي فيهم ثمر الفؤاد.
[٤] بالأصل : وأثار» والمثبت عن المختصر ، وفي الاستيعاب : فضبط البلاد وحمى وجبى وأصلح الفساد.
[٥] سورة النمل ، الآية : ٣٧.
[٦] المختصر : قوما.