تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٨٠ - ٢٣٠٩ ـ زياد بن عبيد
السائسون ، وجرّبنا وجرّبنا المجربون ، وولينا وولي علينا الوالون. وإنا وجدنا هذا الأمر لا يصلحه إلّا شدة في غير عنف ، ولين في غير ضعف ، وأيم الله إن لي لكم صرعى ، فليحذر كل رجل منكم أن يكون من صرعاي ، فو الله لآخذن البريء بالسقيم ، والمطيع بالعاصي ، والمقبل بالمدبر حتى تلين لي قناتكم ، وحتى يقول الفائل : «انج سعد فقد قتل سعيد» [١]. ألا ربّ فرح بإمارتي لن ينفعه ، ورب كاره لها لن يضره ، وقد كانت بيني وبين أقوام منكم دمن وأحقاد ، وقد جعلت ذلك خلف ظهري ، وتحت قدمي ، فلو بلغني عن أحدكم أن البغض في قلبه ما كشفت له قناعا ، ولا هتكت له سترا حتى يبدي صفحته ، فإذا أبداها فلم أقله عثرته ، ألا ولا كذبة أكثر شاهدا عليها من كذبة إمام [٢] على منبر ، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيّ ، فإذا وعدتكم خيرا أو شرا فلم أف به فلا طاعة لي في رقابكم ، ألا وأيما رجل منكم كان مكتبة خراسان فأجله [٣] سنتان ثم هو أمير [٤] نفسه ، وأيما رجل منكم كان مكتبه دون خراسان فأجله ستة أشهر ، ثم هو أمير نفسه ، وأيما امرأة احتاجت [٥] تأتينا ثم نقاصه به ، وأيما عقال فقدتموه من مقامي هذا إلى خراسان فأنا له ضامن.
فقام [٦] إليه نعيم بن إبرهيم المنقري ، فقال : أشهد لقد أوتيت الحكمة ، وفصل الخطاب ، فقال : كذبت أيها الرجل ، ذاك داود نبي الله ٧ ، ثم قام إليه الأحنف بن قيس ، فقال : أيها الرجل إنما الجواد بشدّة والسيف بحدّه ، والمرء بجدّه ، وقد بلّغك جدّك ما ترى ، وإنما الشكر بعد العطاء ، والثناء بعد البلاء ، ولسنا نثني عليك حتى نبتليك فقال : صدقت.
ثم قام أبو بلال مرداس بن أديّة ، فقال : أيها الرجل قد سمعت قولك ، والله لآخذن البريء بالسقيم والمطيع بالعاصي ، والمقبل بالمدبر ، ولعمري لقد خالفت ما حكم الله في كتابه أن يقول : (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)[٧] فقال : أيها عني ، فو الله ما أجد السبيل
[١] انظر المثل في المستقصى للزمخشري ١ / ٣٨٤.
[٢] الجليس الصالح : أمير.
[٣] عن الجليس الصالح وبالأصل : فاحكمه.
[٤] عن هامش الأصل.
[٥] في الجليس الصالح : وأيما امرأة احتاجت فإننا نعطيها عطاء زوجها ثم نقاصه به.
[٦] بالأصل : فأقام.
[٧] سورة فاطر ، الآية : ١٨.