السيرة المحمّدية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٧ - ١ الهجرة إلى الحبشة
فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الاَوثان، وأن نستحلّ ما
كنّا نستحلُّ من الخبائث، فلمّا قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا وحالوا بيننا وبين
ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا
ألا نُظلَم عندك أيّها الملك.[١]
وقد أثّرت كلمات «جعفر» البليغة وحديثه العذب تأثيراً عجيباً في نفس
النجاشي حتى أغرورقت عيناه بالدموع،وخاصة عندما قرأ عليه بعض الآيات
القرآنية التي تخص عيسى و مريم «عليهما السلام» فبكى النجاشي وبكى أساقفتُه
معه، وقال: «إنّ هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة»، ويقصد أنّ
القرآن والاِنجيل كلام اللّه و أنَّهما شيء واحد. ثمّ التفت نحو موفدي قريش قائلاً:
انطلقا فلا واللّه لا أسلمَهم إليكما.
إلاّ أنّ «عمرو بن العاص» فكّر في حيلة جديدة تخلّصهم من موقفهم
السّيء والمخزي، وهي: أن يخبر الملك بما يسيء إلى المسيح (عليه السلام) فقال
في اليوم التالي للملك: إنّهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً. ولكنَّ جعفراً
أجاب الملك في ذلك: نقول فيه الذي جاءنا به نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) ،
هو عبد اللّه ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. ممّا
سرّالنجاشي و رضي به وقال: هذا واللّه هو الحقّ. وقال للمسلمين: اذهبوا فأنتم
آمنون في أرضي، من سَبّكُم غُرِم، ما أحبّ أنّ لي دبراً من ذهب، وإنّي آذيت رجلاً
منكم. ثمّ ردّعلى وفد قريش هداياهم قائلاً: فلا حاجة لي بها، فواللّه ما أخذ اللّه
منّي الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم
فيه.[٢] لا فخرجوا من عنده خائبين مقبوحين.
[١] أوّل الخطاب في ص ٢٠ من الكتاب.
[٢] السيرة النبوية: ١|٣٣٨؛ إمتاع الاَسماع : ٢١؛ بحار الاَنوار: ١٨|٤١٤.