السيرة المحمّدية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٢ - ٥ غزوة الطائف
فيهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) موضحاً موقفه من هذا التوزيع في تأليف
القلوب:«أفلا ترضون يا معشر الاَنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا
برسول اللّه إلى رحالكم. والذي نفس محمّد بيده، لولا الهجرة لكنت إمرىًًَ من
الاَنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الاَنصار شعباً، لسلكت شعب الاَنصار».[١]
ثمّ ترحم عليهم قائلاً: «اللّهمّ ارحم الاَنصار وأبناء الاَنصار وأبناء أبناء الاَنصار».
فأثار بهذه الكلمات مشاعرهم فبكوا بشدّة وقالوا: رضينا يا رسول اللّه حظاً
وقسماً. ويكشف ذلك عن عمق حكمة النبي ص وحنكته السياسية، وأُسلوب
معالجته للمشكلات بروح الصدق واللطف.
وبعد ذلك خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معتمراً من الجعرانة، ثمّ
انصرف راجعاً إلى المدينة فوصلها في أواخر ذي القعدة أو أوائل شهر ذي الحجّة،
مستخلفاً على مكّة: عتاب بن أسيد، الذي بلغ من العمر عشرين عاماً، و قُدّر له
راتبٌ يوميٌّ، درهم واحد، ولما احتجّ بعضهم على هذا التعيين، قال: «لا يحتج
منكم في مخالفته بصغر سنه، فليس الاَكبر هو الاَفضل، بل الاَفضل هو الاَكبر، وهو
الاَكبر في موالاتنا وموالاة أوليائنا، ومعاداة أعدائنا، فلذلك جعلناه الاَمير عليكم
والرئيس عليكم، فمن أطاعه فمرحباً به، ومن خالفه فلا يبعدُُ اللّه غيره».[٢]
وأكد بذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معيار الاَهلية والجدارة
والكفاءة في حيازة المناصب الاجتماعية والاَُمور الاجتماعية الاَُخرى.
ومن أحداث هذه السنة أيضاً:
[١] السيرة النبوية:٢|٤٩٨؛ مغازي الواقدي: ٣|٩٥٧.
[٢] بحار الاَنوار: ٢١|١٢٢؛ إمتاع الاَسماع:١|٤٣٢.