السيرة المحمّدية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٦ - ٦ دعوة الاَقربين
من الناحية الفكرية، ففي خلال ثلاثة أعوام اكتفى بالاتّصال الشخصيّ بمن وَجَدَه
موَهلاً وصالحاً للدعوة ومستعداً لقبول الدين الجديد، ممّا ساعده في أن يكسب
فريقاً من الاَتباع الذين اهتدوا إلى دينه بقبول دعوته.
أمّا زعماء قريش فإنّهم لم يعتنوا بالدعوة الجديدة، كما لم يتعرضوا بأي
عمل عدائي للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بل ظلوا ينظرون إليه باحترام،
مراعين قواعد الآداب والسلوك، في الوقت الذي لم يتعرض فيه النبي «صلى الله
عليه وآله وسلم» أيضاً لاَصنامهم وآلهتهم بسوء، ولا تناولها بالنقد والاعتراض
بصورة علنية، وذلك أنّ زعماء قريش كانوا متأكدين من أنّ دعوته ستنتهي في
العاجل بقولهم: إنّها أيّام وتنطفىَ بعدها شعلة الدعوة هذه فوراً، كما انطفأت من
قبل دعوة «ورقة وأُميّة» اللّذين دعيا إلى نبذ الوثنية واعتناق المسيحية،ثمّنسي
الاَمر.
وقد جمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في السنوات الثلاث الاَُولى، أربعين شخصاً، لم يكن فيهم كفاية لاَن يصبحوا قوة دفاعية لحماية النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ورسالته، ممّا جعله يسعى إلى دعوة أقربائه، فكسر بذلك جدار الصمت،بالشروع في دعوة الاَقربين ثمّ الناس أجمعين،فالنبي «صلى الله عليه وآله وسلم» كان يوَمن ويعتقد أنّ أي إصلاح وتغيير لابدّ أن يبدأ من إصلاح الداخل وتغييره،ومن هنا أمره اللّه تعالى بأن يدعو عشيرته الاَقربين، الذين تمنّى أن يكوّنَ منهم سياجاً قوياً يحفظه ويحفظ رسالته من الاَخطار المحتَملة: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاََقْرَبين) [١] كما خاطبه بصدد دعوة الناس عامة ٥٤٣٢١فَاصْدَعْ بِما تُوَْمَرُ وَأَعْرِضْعَنِ الْمُشْرِكينَ* إِنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزئِين) .[٢]
[١] الشعراء:٢١٤.
[٢] الحجر:٩٤ـ٩٥.