السيرة المحمّدية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٧ - ٨ استخدام الاَساليب المتعدّدة لمنع انتشار الدعوة الجديدة
ويشهد التاريخ أنّ أقوى العوامل في ثبات أقلية وصمودها في وجه الاَكثرية
هو: قوة الاِيمان و الاعتقاد، وهذا ما تجلّى في أبي طالب و بني هاشم في هذه
المأساة.
فقد استمر الحصار ثلاثة أعوام، جاع فيها الاَطفال والكبار متحمّلين قسوة
الحال، فكان يعيشُ الفردُ منهم على تمرة واحدة طوال اليوم، وربما تقاسمها
اثنان.
ولمّا كان لايُسمح لهم بالخروج من الشعب إلاّ في الاَشهر الحرم حيث
يسود الاَمن في أنحاء الجزيرة العربية، فيخرج بنو هاشم للشراء والبيع ثمّ العودة
إلى الملجأ، فإنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يستغل هذا الموسم في نشر
دينه ودعوته. إلاّ أنّ تجّار قريش كانوا يزيدون في سعر السلعة إذا أرادها مسلمٌ،
على أن يقوم أبو لهب والوليد بن المغيرة بتعويض خسارة هوَلاء التجار. كما أنّهم
عينوا الجواسيس على الطرق الموَدية للشعب حتى يمنعوا الاتّصال بالمسلمين.
إلاّ أنّ بعضاً من أنصار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يوصل الطعام إليهم
سراً خلال الليل كما أنّ قريشاً كانوا يصادرون مال كلّمن أراد التعامل مع أصحاب
الشعب، في الوقت الذي اشتدّ إيذاوَهم لمن أعلن إسلامه.
ولكنّهم تأكدوا بعد فترة ليست قليلة بأنّ حصارهم هذا لم يأت بنتيجة
مرجوة، ولم يتحقّق هدفهم منه و من غيره من الوسائل والاَساليب، ففكروا في
نقض الميثاق بأيّ شكل. فقد صرّح «زهير بن أبي أُميّة» في مجلس قريش في
المسجد الحرام بعدما اتّفق مع عدد آخر من المعارضين لمقاطعة بني هاشم:
يا أهل مكّة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يُباع لهم ولا
يُبتاع منهم؟ واللّه لا أقعد حتى تُشَقّ هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.
وقام «المطعم بن عدي» إلى الصحيفة ليشقّها، فوجد أنّ الاِرضة قد أكلتها إلاّ