السيرة المحمّدية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٦٢ - ٦ الحديبية رحلة دينية سياسية
وعند عُسفان، أخبروا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّقريشاً ترفض
السماح لهم بالدخول إلى مكّة، كما أرسلت كتيبة من أفرادهم بقيادة: خالد بن
الوليد، لتنفيذ الاَوامر المعلنة، فغيّر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) طريقه حتى
لا يلتقي بخالد،سالكاً طرقاً وعرة حتى وصل الحديبية، التي بركت فيها ناقة
الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلوا في ذلك المكان، إلاّأنّ خالد بن الوليد
تمكن من الوصول بكتيبته وحاط بهم وحاصر موكبهم. ولكن النبي «صلى الله
عليه وآله وسلم» لم يكن قد جاء ليحارب في سبيل دخول مكة، ولم يكن هذا
هدفه، ولذا فإنّ التفاوض كان من أفضل الحلول لهذه المشكلة، فقال «صلى الله
عليه وآله وسلم» : «لا تدعوني قريش اليوم إلى خُطة يسألونني فيها صلة الرحم
إلاّأعطيتهم إيّاها». فبلغ ذلك مسامع الجميع، فقرروا إرسال عدد من أفرادهم إلى
الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للتعرف على هدفه الاَصلي من رحلته ومجيئه
إلى مكة، فبعثوا إليه بأربعةأشخاص لتفهّم موقف الرسول «صلى الله عليه وآله
وسلم» فقال لهم (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّا لم نجىَ لقتال أحد ولكنّا جئنا
معتمرين».
إلاّأنّ المندوبين أكدوا للمسلمين أنّ قريشاً لن تقبل بدخولهم مكة:
«يعاهدون اللّه لا تدخلها عليهم عنوة أبداً». فذهبت كلّتلك المفاوضات سدى
دون جدوى، ممّا جعل الرسول ص يرسل مندوباً عنه إلى قريش يوضح الصورة
الصحيحة لهدفهم،وهو زيارة بيت اللّه وأداء مناسك العمرة، إلاّأنّقريشاً ـ خلافاً
لكلّالاَعراف الدولية والاجتماعية ـ والتي تقضي بحماية السفراء واحترامهم،
عمدت إلى عقر الجمل الذي قدم عليه السفير والمندوب النبوي، بل كادوا أن
يقتلوه أيضاً، لولا تدخل جماعة من قادة العرب، فخلّت سبيله ليعود إلى النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) . كما أنّقريشاً أرسلت كتيبةلاِرهاب الرسولوجماعته
وإرعابهم ونهب شيء من أموالهم، إلاّ أنّ الوضع لم يكن في صالحهم فقد أسرهم
المسلمون وكانوا خمسين فرداً، فتدخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعفا
عنهم و خلّى سبيلهم، ليوَكد لهم أنّه جاء يريد السلام، وأنّ هوَلاء ينشدون الحرب
والقتال.