السيرة المحمّدية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٢١ - ٣ غزوة تبوك وهي قلعة قويّة في طريق حجر والشام
وفي الطريق واجه متاعبَ ومشاق كثيرة، ولذا سمى هذا الجيش بجيش
«العسرة»، إلاّأنّ إيمانهم العميق، وحبّهم للهدف المقدس، سهّل عليهم الاَمر.
وعندما مروا بأرض ثمود، غطى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجهَه بثوبه وأمر
أصحابه بسرعة السير: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلاّوأنتم باكون خوفاً أن
يصيبكم مثلما أصابهم». كما نهاهم أن يشربوا من مائها ولا يتوضأوا به للصلاة ولا
يطبخ به طعام.[١] ولكنّهم شربوا عندما وصلوا إلى البئر التي كانت تشرب منها ناقة
صالح (عليه السلام) فنزلوا عليها بأمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أظهر في الطريق بعض الاَُمور
الغيبية حتى لا يوَثّر شكّ بعضهم في إيمان الآخرين، مثلما جرى لناقته التي ضلت
الطريق، وبدأ المنافقون في التقليل من قوّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
واتّصاله باللّه سبحانه و تعالى، فأخبرهم بموقعها، بعلم من اللّه تعالى. وتنبأ عن
أبي ذر و ما سيجري له عندما تأخّر عنهم فقال: رحم اللّه أبا ذر يمشي وحده
ويموت وحده ويبعث وحده.[٢]
على كلّ حال، وصل الجيش في مطلع شهر شعبان إلى أرض تبوك، دون أن يجدوا أثراً لجيش الروم الذي كان قد انسحب إلى داخل بلاده مفضلاً عدم مواجهة المسلمين، وموَكدين حيادهم تجاه الحوادث والوقائع التي تجري في الجزيرة العربية. فجمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) القادة و شاوَرَهم في أمر التقدّم في أرض العدو، أو العودة إلى العاصمة. فقرروا العودة ليستعيد الجميعُ نشاطَه بعد المشاق والتعب، إضافة إلى أنّهم حقّقوا هدفهم بتخويف العدو وإلقاء الرعب في قلوبهم، فقالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن كنت أُمرت بالسير فَسِرْ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لو أُمرت به ما استشرتُكم فيه».[٣] فاحترم
[١] السيرة النبوية:٢|٥٢١؛ السيرة الحلبية:٣|١٣٤.
[٢] السيرة النبوية:٢|٥٢١؛ السيرة الحلبية:٣|١٣٤.
[٣] مغازي الواقدي: ٣|١٠١٩.