السيرة المحمّدية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٥ - ١ الهجرة إلى الحبشة
ولذا اهتموا في إعادتهم فوراً إلى ديارهم.
وقد تبعت هذه الهجرة، خروج جماعة أُخرى بلغ عددها ٨٣ فرداً على
رأسهم: «جعفر بن أبي طالب » ابن عمّ الرسولحيث تمّت بحريّة، وقد اصطحبوا
فيها نساءهم وأولادهم،إلى أرض الحبشة أيضاً. وقد وجد المسلمون أرضها كما
وصفها النبي ص: عامرةً، وبيئة آمنة حرة، تصلح لعبادة اللّه تعالى بحرّية وأمان.
وبيّنت «السيدة أُمّ سلمة» الوضع بقولها: «لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير
جار، النجاشي، أمننا على ديننا، وعبدنا اللّه تعالى، لا نُوَذى، ولا نسمع شيئاً
نكرهه».
وقد حدثت هذه الهجرة في رجب من السنة الخامسة من النبوة، وهي السنة
الثانية من إظهار الدعوة، فأقاموا شعبان ورمضان، وقدموا في شوال، لما بلغهم أنّ
قريشاً أسلمت فعاد منهم قوم وتخلف آخرون.[١] إلاّ أنّ ذلك كان كذباً، فلم يدخل
منهم مكّة إلاّالقليل، وعادت الاَكثرية إلى الحبشة ثانية. وكان ممّن دخل مكّة منهم:
«عثمان بن مظعون» الذي دخل بجوار الوليد بن المغيرة، ولكنّه ردّ عليه جواره
فاختار جوار اللّه ليواسي المسلمين ويشاركهم آلامهم ومتاعبهم، ممّا جعله يتلقّى
فيما بعد شيئاً من تعذيب الكفّار وأذيتهم فأصابوا عينه.
وحينما علمت قريش ما أصبح فيه المسلمون المهاجرون من أمن وحرّية ، ثار فيهم الحسد، وتوجّسوا خيفة من نفوذهم هناك في الحبشة، التي اعتبرت أرضها الآن قاعدة قوية لهم، كما أنّهم تخوفوا من اعتناق نجاشي الحبشة لدينهم، فيكسبوا تأييده، ممّا يدفعه إلى محاربة مكّة فيما بعد للقضاء على حكومة
[١] الكامل في التاريخ:٢|٥٢.