مواهب الرحمن في تفسير القرآن - الموسوي السبزواري، السيد عبد الأعلى - الصفحة ٣٢١
أولئك قوم ترجحت بهم الأماني من رجا شيئا عمل له ، ومن خاف شيئا هرب منه» ، وعنه ٧ أيضا «لا يكون مؤمن مؤمنا حتّى يكون خائفا راجيا ولا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو».
فالرجاء لا بد أن يكون مقرونا بالعمل ومع فقده يكون غرورا ، مثل من يلقي البذر في الأرض السبخة ، وقد عزم على عدم تعهد الزرع بالسقي ، وتنقية الأرض وهو يرجو جني الثمار من بذره ، وهذا لا يكون إلا غرورا. بخلاف من ألقى البذر في أرض طيبة ، وقد بنى على التعهد والتنقية وسوق الماء ، وتحقيق كلّ ما هو داخل تحت اختياره في سبيل الحصول على الثمار من زرعه ، ثم يرجو الله تعالى أن يدفع عن زرعه الحوادث والصوارف فيكون رجاؤه محمودا ، وكذا من يرجو الله تعالى والدخول في رضوانه ورحمته لا بد له من الإيمان به ، ومتابعة أنبيائه ، وتطهير القلب من الأخلاق الرذيلة والتحلّي بالأخلاق الفاضلة ثم التعهد بإتيان الطّاعات وترك المعاصي والسيئات ، فيرجو حسن الخاتمة والثبات على الإيمان والمغفرة ، ومثل هذا الرجاء يكون محمودا في نفسه وباعثا على القيام بما يقتضيه الإيمان ويوجب العزيمة في المؤمن ويجعله مثابرا على العمل.
الثالث : إنّ المرجو منه لا بد أن يكون أهلا لما يرجى منه وقادرا على الإجابة ، وهو منحصر به عزوجل لأنّ غيره في معرض الزوال ، ولأنّ عروض الحوادث وأسبابها الخفية غير معلومة لأحد إلا لله تعالى.
نعم ، حيث إنّ الدنيا دار الأسباب ولا تجري الأمور فيها إلا بأسبابها لا بد من تهيئة الأسباب الظاهرية والجدّ والاجتهاد فيها ، ويرجى من الله رفع الموانع التي هي غير معلومة لنا ، فانحصر الرجاء المطلق بالحيّ القيوم ، لأنّ غيره يفنى ولا يدوم.
ثم إنّ للرجاء مراتب ودرجات أعلاها ما إذا كان متعلّقا بالله تعالى وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، وهذا هو الرجاء المحمود الذي مدحه القرآن الكريم واعتبره أساس العمل الصالح والإيمان الصحيح وموجبا للغفران والارتقاء إلى الدّرجات العليا ، بل ذكرنا أنّ الرجاء الحقيقي لا يكون إلا هذا ويكون