أصول الفقه- ط دفتر تبلیغات اسلامی - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٠٨
(الثالث) ومن أسباب الحكم بالحسن والقبح (الخلق الانساني) الموجود في كل انسان على اختلافهم في أنواعه، نحو خلق الكرم والشجاعة. فان وجود هذا الخلق يكون سببا لادراك ان افعال الكرم - مثلا - مما ينبغي فعلها فيمدح فاعلها وافعال البخل مما ينبغي تركها فيذم فاعلها. وهذا الحكم من العقل قد لا يكون من جهة المصلحة العامة أو المفسدة العامة ولا من جهة الكمال للنفس أو النقص، بل بدافع الخلق الموجود. وإذا كان هذا الخلق عاما بين جميع العقلاء يكون هذا الحسن والقبح مشهورا بينهم تتطابق عليهم آراؤهم. ولكن انما يدخل في محل النزاع إذا كان الخلق من جهة اخرى فيه كمال للنفس أو مصلحة عامة نوعية فيدعو ذلك إلى المدح والذم. ويجب الرجوع في هذا القسم إلى ما ذكرته عن (الخلقيات) في المنطق (ج ٣ ص ٢٠) لتعرف توجيه قضاء الخلق الانساني بهذه المشهورات (الرابع) ومن أسباب الحكم بالحسن والقبح (الانفعال النفساني)، نحو الرقة والرحمة والشفقة والحياء والانفة والحمية والغيرة.. إلى غير ذلك من انفعالات النفس التي لا يخلو منها انسان غالبا. فنرى الجمهور يحكم بقبح تعذيب الحيوان اتباعا لما في الغريزة من الرقة والعطف، والجمهور يمدح من يعين الضعفاء والمرضى ويعني برعاية الايتام والمجانين بل الحيوانات لانه مقتضى الرحمة والشفقة. ويحكم بقبح كشف العورة والكلام البذئ لانه مقتضى الحياء. ويمدح المدافع عن الاهل والعشيرة والوطن والامة لانه مقتضى الغيرة والحمية.. إلى غير ذلك من أمثال هذه الاحكام العامة بين الناس. ولكن هذا الحسن والقبح لا يعدان حسنا وقبحا عقليين، بل ينبغي ان يسميا عاطفيين أو انفعاليين. وتسمى القضايا هذه عند المنطقيين ب (الانفعاليات). ولاجل هذا لا يدخل هذا الحسن والقبح في محل النزاع مع الاشاعرة، ولا نقول نحن بلزوم متابعة الشرع للجمهور في هذه الاحكام، لانه ليس للشارع هذه الانفعالات. بل يستحيل وجودها فيه لانها من صفات الممكن. وانما نحن نقول بملازمة حكم الشارع لحكم العقل بالحسن والقبح في الآراء المحمودة والتأديبات الصلاحية - على ما سيأتي - فباعتبار ان الشارع من العقلاء بل رئيسهم، بل خالق العقل، فلا بد أن يحكم بحكمهم بما هم عقلاء ولكن لا يجب ان يحكم بحكمهم بماهم عاطفيون. ولا نقول ان