الصدق، أو، الطريق السالمة - أبو سعيد الخراز البغدادي، أحمد بن عيسى - الصفحة ٣٠ - باب الصدق في الزهد، و كيف هو؟ و ما هو؟

و قالت طائفة من الناس: «الزاهد في الدنيا: هو الراغب في الآخرة، الذي قد جعلها نصب عينه، كأنه يرى عقابها و ثوابها، فهو عازف عن الدنيا».

و هكذا يروى أن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم، قال لحارثة: «كيف أصبحت يا حارثة».

قال: مؤمنا حقا يا رسول اللّه.

فقال النبي، صلّى اللّه عليه و سلم: «و ما حقيقة إيمانك؟».

قال: «عزفت نفسي عن الدنيا، فأظمأت لذلك نهاري، و أسهرت ليلي، و كأني أنظر إلى عرس ربي بارزا؛ و كأني أنظر إلى أهل الجنة يتناغمون، و إلى أهل النار يتعاوون».

فقال النبي، صلّى اللّه عليه و سلم: «مؤمن نور اللّه قلبه، عرفت فالزم»[١].

و قال بعض العلماء: الزهد: خروج قيمة الأشياء من القلب.

و الزهد في الدنيا: يدق جدا و يخفى، و لكل عبد على قدر علمه باللّه، تعالى، زهد:

فمن نفى الرغبة في الدنيا عن قلبه، شيئا بعد شي‌ء، يرى غاية الزهد، و من توانى عن نفسه، و لم يخالفها عند هواها: لم يعزف عن الدنيا، و لم يشرف على الآخرة.

قال بعض العلماء: الزاهد في الدنيا حقا: لا يذم الدنيا، و لا يمدحها، و لا يفرح بها إذا أقبلت، و لا يحزن عليها إذا أدبرت.

قال أبو سعيد، رحمه اللّه تعالى: قال بعض البدلاء، رحمهم اللّه تعالى: لا يكون زاهدا مستكمل الزهد، أو يستوي عنده الحجارة و الذهب، و لا يستوي الحجارة و الذهب حتى يكون معه من اللّه، تعالى؛ آية، فتحول الحجارة ذهبا، فعندها تخرج قيمة الأشياء من قلبه.

و سمعته يقول: لم يستو الحجارة و الذهب، عند أحد من الصحابة، رضي اللّه عنهم، بعد رسول اللّه، صلّى اللّه عليه و سلم، إلا عند أبي بكر رضي اللّه عنه!.

قلت: فعلى أي معنى زهد الزاهدون؟!.

قال: على معان شتى:

فمنهم: من زهد لفراغ القلب من الشغل، و جعل همه كله في طاعة اللّه، تعالى، و ذكره، و خدمته، فكفاه اللّه عند ذلك.

فهكذا: روي عن النبي، صلّى اللّه عليه و سلم، أنه قال: «من جعل الهم هما واحدا كفاه اللّه سائر همومه»[٢].


[١] - أخرجه الهيثمي في( مجمع الزوائد ١/ ٥٧)، و الزبيدي في( إتحاف السادة المتقين ٢/ ٢٣٨، ٢٨٠) و العقيلي في( الضعفاء ٤/ ٤٥٥).

[٢] - أخرجه ابن ماجه( مقدمة ٢٣)،( زهد ٢).