الصدق، أو، الطريق السالمة - أبو سعيد الخراز البغدادي، أحمد بن عيسى - الصفحة ٢٥ - باب «الصدق في الحلال الصافي، إذا وجدته، و كيف العمل به؟»

و كذلك روي: «أنه صنع له خاتم ذهب ليختم به الكتب، إلى من أمره اللّه تعالى بإنذاره، فلبسه، ثم طرحه من يده، و قال لأصحابه: إليه نظرة و إليكم نظرة»[١].

و كذلك روي: «أنه، صلّى اللّه عليه و سلم، غير شراك‌[٢] نعله، فجعل مكانه جديدا فقال: ردوا الشراك الأول».

و كذلك: كل قلب طاهر صاف، قد أشرف على الآخرة، و عرف قيام اللّه، تعالى، عليه: يفزع من خفايا السكون إلى الدنيا، و التحلي بشي‌ء منها.

و مثل هذا في الأخبار كثير، و العاقل الفطن تكفية الإشارة إليه بالشي‌ء.

و هذا: أصحاب محمد، صلّى اللّه عليه و سلم، حين حثهم على الصدقة، جاء أبو بكر بماله كله، لأنه كان أقوى القوم، فقال له النبيّ، صلّى اللّه عليه و سلم: ما خلفت لعيالك؟.

قال: «اللّه و رسوله، ولي عند اللّه مزيد»[٣].

أفلا ترى أبا بكر، رضي اللّه عنه، إنما كان سكونا إلى اللّه، تعالى، لا إلى الشي‌ء، و لم يكن لشي‌ء عنده قدر، و كان ما عند اللّه عنده أسرّ؟!.

فحين رأى موضع الحق لم يخلف منه شيئا، و قال: خلفت اللّه و رسوله.

ثم جاء عمر، رضي اللّه عنه، بنصف ماله، فقال النبيّ، صلّى اللّه عليه و سلم: ما خلفت لعيالك؟.

قال: نصف مالي، و للّه عندي مزيد.

فقد أعطى نصف ماله، و يقول: و للّه عندي.

ثم عثمان، رضي اللّه عنه، يجهز جيش العسرة[٤] كله بجميع ما يحتاج إليه، و يحفر بئر[٥] رومة.

أفلا ترى: أن القوم، إنما كانوا معدين الشي‌ء للّه تعالى؟!

و مما يدل على صدق قولنا: أن القوم كانوا خارجين مما ملكوا و هو في أيديهم، يعدونه للّه عزّ و جلّ.

و قد روي عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم: أنه قال: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث، و ما خلفناه صدقة»[٦].


[١] - أخرجه أحمد بن حنبل ١/ ٣٢٢.

[٢] - الشّراك: سير النعل على ظهر القدم( ج) شرك، و أشرك.

[٣] - أخرجه الزبيدي في( إتحاف السادة المتقين ٤/ ١١٥).

[٤] - جيش العسرة: جيش المسلمين في غزوة تبوك عام ٩ ه.

[٥] - بئر رومة: هي في عقيق المدينة.

[٦] - أخرجه ابن حجر في( فتح الباري ١٢/ ٨)، و ابن عبد البر في( التمهيد ٨/ ١٧٥)،( معجم البلدان ١/ ٢٩٩).