الصدق، أو، الطريق السالمة - أبو سعيد الخراز البغدادي، أحمد بن عيسى - الصفحة ٢٣ - باب «الصدق في الحلال الصافي، إذا وجدته، و كيف العمل به؟»

فمن ملك- من أهل العمل عن اللّه تعالى، و أهل الصدق- شيئا من الدنيا: فهو معتقد: أنّ الشي‌ء للّه جلّ و عزّ، لا له، إلا هو من طريق حقّ ما خوّله‌[١] اللّه تعالى، و هو مبلى به، حتى يقوم بالحقّ فيه، لأنّ النعمة: بلاء حتى يقوم العبد بالشكر فيها، و يستعين بها على طاعة اللّه تعالى.

و كذلك البلوى و الضراء: هو اختبار و بلاء، حتى يصبر عليه، و يقوم بحق اللّه تعالى، فيه.

و كذلك قال بعض الحكماء: «العلم كله: بلاء حتى يعمل به» قال اللّه، عزّ و جلّ:

الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ‌ [الملك: ٢].

و قال: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ٣١ [القتال: ٣١].

فالأنبياء، صلوات اللّه عليهم، و الصالحون، من بعدهم، الذين أشعرهم اللّه: بأن أبلاهم في الدنيا بالسعة، و خولهم: كانوا إلى اللّه، جلّ و عزّ، ساكنين، لا إلى الشي‌ء، و كانوا: خزّانا للّه، جلّ ذكره، في الشي‌ء الذّي ملكهم: ينفذونه في حقوق اللّه تعالى، غير مقصرين، و لا مفرطين، و لا متوانين، و لا متأولين على اللّه التأويل، و كانوا غير متلذّذين بما ملّكوا، و لا مشغولي القلوب بما ملكوا، و لا مستأثرين به دون عباد اللّه تعالى.

و من ذلك ما روي عن سليمان بن داود، ٨، في ملكه، و ما أباحه اللّه، تعالى من الكرامة، حين يقول تعالى:

هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ٣٩ [ص: ٣٩].

قال أهل التفسير: لا حساب عليك في الآخرة، و إنما كان عطاء هينا، إكراما من اللّه، عزّ و جلّ له.

فذكر العلماء: أنّ سليمان، ٧: «كان يطعم الأضياف الحواري‌[٢] النقي، و يطعم عياله الخشكار، و يأكل هو الشعير».

و كذلك روى العلماء: أن إبراهيم الخليل، صلوات اللّه عليه: «كان لا يأكل إلا مع الضيف، فربما لا يأتيه ثلاثة أيام الضيف فيطويها، و ربما كان يمشي الفرسخ‌[٣]، أو أقل أو أكثر، تلقيا للضيف».


[١] - خوّله الأمر: أعطاه إياه متفضّلا.

[٢] - الحوّارى: لباب الدقيق الأبيض، و يصح إطلاقه على ما يعرف اليوم بالشام:( الطحين الزير).

[٣] - فرسخ الطريق: مسافة تبلغ ثلاثة أميال هاشمية، و الميل الهاشمي ٥٧٦٠ مترا( ج) فراسخ« فارسي».