الصدق، أو، الطريق السالمة - أبو سعيد الخراز البغدادي، أحمد بن عيسى - الصفحة ١١ - باب الصدق في الصبر

لأنه يروى في الحديث: «من بثّ فقد شكا».

ألم تسمع اللّه تعالى، يقول: وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ‌ [آل عمران: ١٣٤].

أفلا ترى: أنه كظم ما كره، و شق على نفسه احتماله، فصار صابرا؟ فإذا أبدى الجزع و كافأ من أساء إليه، و لم يعف عمن أساء إليه: خرج من حدّ الصبر على هذا القياس.

قلت: فبماذا يقوى الصابر على الصبر، و بماذا يتم له؟

قال: يروى في الحديث:

«إنّ الصبر على المكاره: من حسن اليقين».

و يروى:

«إنّ الصبر: نصف الإيمان، اليقين: الإيمان كله»[١].

و ذلك: أن العبد لما آمن باللّه تعالى، و صدّق قوله في الذي وعده و تواعده، قامت في قلبه الرغبة في ثواب اللّه تعالى، الذي وعده، و لزمت قلبه الخشية من عقاب اللّه الذي تواعده، و صحت عند ذلك رغبته، و قامت عزيمته في طلب النجاة مما يخافه، و هاجت آماله في الظفر بالذي يرجوه، فجدّ عنه ذلك في الطلب و الهرب، فسكن الخوف و الرجاء قلبه! فركب عند ذلك مطية الصبر، و تجرّع مرارته عند نزوله، و مضى في إنفاذ العزائم، و حذر من نقصها، فوقع عليه اسم الصبر.


[١] - أخرجه الزبيدي في( إتحاف السادة المتقين ٤/ ١٨٧، ٩/ ٥، ١٥٢، ٢١١)، و السيوطي في( الدر المنثور ١/ ٦٦)، و المنذري في( الترغيب و الترهيب ٤/ ٢٧٧)، و ابن حجر في( فتح الباري ١٠/ ٥١٢)، و ابن حجر في( تفليق التعليق ١٨)، و المتقي الهندي في( كنز العمال ٦٤٩٨) و الشهاب في( المسند ١٥٨)، و الشجري في( الأمالي ١/ ١٢٧، ٢/ ١٩٤)، و العراقي في( المغني عن حمل الأسفار ١/ ٢٣١، ٤/ ٦٠)، و الخطيب البغدادي في( تاريخ بغداد ١٣/ ٢٢٦)، و ابن الجوزي في( العلل المتناهية ٢/ ٣٣١)، و الهيثمي في( مجمع الزوائد ١/ ٥٧)، و الألباني في( السلسلة الضعيفة ٤٩٩).