تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٦
على أيّة حال كبّ إبراهيم (عليه السلام) إبنه على جبينه، ومرّر السكّين بسرعة وقوّة على رقبة إبنه، وروحه تعيش حالة الهيجان، وحبّ الله كان الشيء الوحيد الذي يدفعه إلى تنفيذ الأمر ومن دون أي تردّد.
إلاّ أنّ السكّين الحادّة لم تترك أدنى أثر على رقبة إسماعيل اللطيفة.
وهنا غرق إبراهيم في حيرته، ومرّر السكّين مرّة اُخرى على رقبة ولده، ولكنّها لم تؤثّر بشيء كالمرّة السابقة.
نعم، فإبراهيم الخليل يقول للسكّين: إذبحي، لكنّ الله الجليل يعطي أوامره للسكّين أن لا تذبحي، والسكّين لا تستجيب سوى لأوامر الباري عزّوجلّ.
وهنا ينهي القرآن كلّ حالات الإنتظار وبعبارة قصيرة مليئة بالمعاني العميقة (وناديناه أن ياإبراهيم قد صدّقت الرؤيا إنّا كذلك نجزي المحسنين).
إذ نمنحهم توفيق النجاح في الإمتحان، ونحفظ لهم ولدهم العزيز، نعم فالذي يستسلم تماماً وبكلّ وجوده للأمر الإلهي ويصل إلى أقصى درجات الإحسان، لا يمكن مكافأته بأقلّ من هذا.
ثمّ يضيف القرآن الكريم (إنّ هذا لهو البلاء المبين).
عمليّة ذبح الإبن البارّ المطيع على يد أبيه، لا تعدّ عمليّة سهلة وبسيطة بالنسبة لأب إنتظر فترة طويلة كي يرزقه الله بهذا الإبن، فكيف يمكن إماتة قلبه تجاه ولده؟ والأكثر من ذلك إستسلامه ورضاه المطلق ـ من دون أي إنزعاج ـ لتنفيذ هذا الأمر، وتنفيذه كافّة مراحل العملية من بدايتها إلى نهايتها، بصورة لا يغفل فيها عن أي شيء من الإستعداد لعملية الذبح نفسياً وعمليّاً.
والذي يثير العجب أكثر هو التسليم المطلق لهذا الغلام أمام أمر الله، إذ استقبل أمر الذبح بصدر مفتوح وإطمئنان يحفّه اللطف الإلهي، وإستسلام في مقابل هذا الأمر.
لذا فقد ورد في بعض الروايات أنّ جبرئيل هتف «الله أكبر» «الله أكبر» أثناء