تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٣
غلاماً. وهنا يقول القرآن: (فلمّا بلغ معه السعي).
يعني أنّه وصل إلى مرحلة من العمر يستطيع فيها السعي وبذل الجهد مع والده في مختلف اُمور الحياة وإعانته على اُموره.
وقال البعض: بأنّ (السعي) هنا يعني العمل لله والعبادة، وبالطبع فإنّ كلمة (السعي) لها مفاهيم ومعان واسعة تشمل هذا المعنى أيضاً، ولكنّها لا يقتصر معناها عليه. و (معه) تدلّ على أنّه كان يساعد والده في اُمور الحياة.
على كلّ حال، فقد ذهب جمع من المفسّرين: إنّ عمر إسماعيل كان (١٣) عاماً حينما رأى إبراهيم ذلك المنام العجيب المحير، والذي يدلّ على بدء إمتحان عسير آخر لهذا النّبي ذي الشأن العظيم، إذ رأى في المنام أنّ الله يأمره بذبح إبنه الوحيد وقطع رأسه. فنهض من نومه مرعوباً، لأنّه يعلم أنّ ما يراه الأنبياء في نومهم هو حقيقة وليس من وساوس الشياطين، وقد تكرّرت رؤيته هذه ليلتين اُخريين، فكان هذا بمثابة تأكيد على ضرورة تنفيذ هذا الأمر فوراً.
وقيل: إنّ أوّل رؤيا له كانت في ليلة التروية، أي ليلة الثامن من شهر ذي الحجّة، كما شاهد نفس الرؤيا في ليلة عرفة، وليلة عيد الأضحى، وبهذا لم يبق عنده أدنى شكّ في أنّ هذا الأمر هو من الله سبحانه وتعالى.
إمتحان شاقّ آخر يمرّ على إبراهيم الآن، إبراهيم الذي نجح في كافّة الإمتحانات الصعبة السابقة وخرج منها مرفوع الرأس، الإمتحان الذي يفرض عليه وضع عواطف الاُبوّة جانباً والإمتثال لأوامر الله بذبح إبنه الذي كان ينتظره لفترة طويلة، وهو الآن غلام يافع قوي.
ولكن قبل كلّ شيء، فكّر إبراهيم (عليه السلام) في إعداد إبنه لهذا الأمر، حيث (قال يابني إنّي أرى في المنام أنّي أذبحك فانظر ماذا ترى).
الولد الذي كان نسخة طبق الأصل من والده، والذي تعلم خلال فترة عمره القصيرة الصبر والثبات والإيمان في مدرسة والده، رحّب بالأمر الإلهي بصدر