تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩١
وعلى المذنبين أيضاً أن لا ينسوا حقيقة أنّهم كانوا مشمولين بمضمون الآية الكريمة في زمرة (الذين إصطفينا) وإنّ لهم ذلك الإستعداد بالقوّة، فعليهم أن يتجاوزوا مرحلة «الظالم لنفسه» وينتقلوا إلى مرحلة «المقتصد» وليرتقوا من هناك حتّى ينالوا فخر «السابقين بالخيرات»، حيث أنّهم من جهة الفطرة والبناء الروحي من الذين إصطفاهم الحقّ.
* * *
[ ٩٢ ] الآياتجَنَّـتُ عَدْن يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَب وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ
(٣٣)وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
(٣٤)الَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ
(٣٥) التّفسير الحمد لله الذي أذهب عنّا الحزن:هذه الآيات في الحقيقة نتيجة لما ورد ذكره في الآيات الماضية، يقول تعالى: (جنّات عدن يدخلونها)[١].
«جنّات» جمع «جنّة» بمعنى (الروضة) وكلّ بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض.
[١] ـ «جنّات عدن»: يمكن أن تكون خبراً لمبتدأ محذوف تقديره «جزائهم» أو «اُولئك لهم جنّات عدن»، نظير الآية (٣١ ـ سورة الكهف) بعضهم أيضاً قال: إنّها (بدل) عن «الفضل الكبير»، ولكن باعتبار أنّ «الفضل الكبير» إشارة إلى ميراث الكتاب السماوي، فلا يمكن أن تكون «جنّات» بدلا عنها، إلاّ إذا اعتبرنا المسبّب في مقام السبب. [ ٩٣ ] و «عدن» بمعنى الإستقرار والثبات، ومنه سمّي المعدن لأنّه مستقر الجواهر والمعادن. وعليه فإنّ «جنّات عدن» بمعنى «جنّات الخلد والدوام والإستقرار».
على كلّ حال فإنّ هذا التعبير يشير إلى أنّ نعم الجنّة العظيمة خالدة وثابتة، وليست كنعم الدنيا ممزوجة بالقلق الناجم عن زوالها وعدم دوامها، وأهل الجنّة ليست لهم جنّة واحدة، بل جنّات متعدّدة تحت تصرّفهم.
ثمّ تشير الآية إلى ثلاثة أنواع من نعم الجنّة، بعضها إشارة إلى جانب مادّي وبعضها الآخر إلى جانب معنوي وباطني، وبعض أيضاً يشير إلى عدم وجود أي نوع من المعوّقات، فتقول الآية: (يحلّون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير).
فهؤلاء لم يلتفتوا في هذه الدنيا إلى بريقها وزخرفها، ولم يجعلوا أنفسهم أسرى لزبرجها، ولم يكونوا أسرى التفكير باللباس الفاخر، والله سبحانه وتعالى يعوّضهم عن كلّ ذلك، فيلبسهم في الآخرة أفخر الثياب.
هؤلاء زيّنوا حياتهم الدنيا بالخيرات، فزيّنهم الله سبحانه وتعالى في يوم تجسّد الأعمال يوم القيامة بأنواع الزينة.
لقد قلنا مراراً بأنّ الألفاظ التي وضعت لهذا العالم المحدود لا يمكنها أن توضّح مفاهيم ومفردات عالم القيامة العظيم، فلأجل بيان نِعم ذلك العالم الآخر نحتاج إلى حروف اُخرى وثقافة اُخرى وقاموس آخر، على أيّة حال، فلأجل توضيح صورة وإن كانت باهتة عن النعم العظيمة في ذلك العالم لابدّ لنا أن نستعين بهذه الألفاظ العاجزة.
بعد ذكر تلك النعمة الماديّة، تنتقل الآية مشيرة إلى نعمة معنوية خاصّة فتقول: (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنّا الحزن).
فهؤلاء يحمدون الله بعد أن أصبحت تلك النعمة العظيمة من نصيبهم، وتلاشت عن حياتهم جميع عوامل الغمّ والحسرة ببركة اللطف الإلهي، وتبدّدت سحب الهمّ