تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٥
النظر نجدهما ليسا من لون واحد، مع أنّهما من نفس الأبوين، وتمّ إنعقاد نطفتيهما في وقت واحد، وتغذّيا من غذاء واحد.
ناهيك عن التفاوت والإختلاف الكامل في بواطنهم عدّ أشكالهم الظاهرية، وفي خلقهم ورغباتهم وخصوصيات شخصياتهم وإستعداداتهم وذوقهم، بحيث يتكوّن بذلك كيان مستقل منسجم بكلّ إحتياجاته الخاصّة.
في عالم الكائنات الحيّة أيضاً يوجد آلاف الآلاف من أنواع الحشرات، الطيور، الزواحف، الحيوانات البحرية، الوحوش الصحراوية، بكلّ خصائصها النوعية وعجائب خلقتها. كدلالة على قدرة وعظمة وعلم خالقها.
حينما نضع قدمنا في حديقة كبيرة من حدائق الحيوان فسوف نصاب بالذهول والحيرة والدهشة بحيث أنّنا ـ بلا وعي منّا ـ نتوجّه بالشكر والثناء لله المبدع لكلّ هذا الفن الخلاّب على صفحة الوجود. مع أنّنا لا نرى أمامنا في تلك الحديقة إلاّ جزءً من آلاف الأجزاء من الموجودات الحيّة في العالم.
وبعد عرض تلك الأدلّة التوحيدية يقول تعالى في الختام جامعاً: نعم إنّ الأمر كذلك (كذلك)[١].
ولأنّ إمكانية الإنتفاع من آيات الخلق العظيمة هذه تتوفّر أكثر عند العباد العقلاء والمفكّرين يقول تعالى في آخر الآية: (إنّما يخشى الله من عباده العلماء).
نعم فالعلماء من بين جميع العباد، هم الذين نالوا المقام الرفيع من الخشية «وهي الخوف من المسؤولية متوافق مع إدراك لعظمة الله سبحانه»، حالة (الخشية) هذه تولّدت نتيجة سبر أغوار الآيات الآفاقية والأنفسية، والتعرّف على حقيقة علم وقدرة الله وغاية الخلق.
[١] ـ حول ما هو إعراب «كذلك» اُعطيت إحتمالات عديدة، بعضهم قالوا بأنّها جملة مستقلّة تقديرها (الأمر كذلك) ونحن إنتخبنا في تفسيرنا هذا المعنى لكونه الأنسب، ولكن البعض ربطوها بالجملة السابقة فقالوا: إنّ المعنى هو كما أنّ الثمرات وجدد الجبال مختلف ألوانها كذلك الناس والدواب والأنعام، وقد احتمل أيضاً أن تكون الجملة مرتبطة بما بعدها والمعنى: كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية.