تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢٤
ويفقد الأمل، وإنّما عليه أن يدرك أنّها بداية تفتح أبواب الرحمة الإلهية عليه، كما يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «عند تناهي الشدّة تكون الفرجة، وعند تضايق حلق البلاء يكون الرخاء»[١].
ج ـ مجريات هذه القصّة توضّح بصورة جيّدة بعض غايات البلاء والحوادث الصعبة في الحياة، وتجيب على من يرى في وجود الآفات والبلايا تناقضاً مع برهان النظم في بحوث التوحيد، لأنّ وجود مثل هذه الحوادث الصعبة والشديدة في حياة الإنسان ـ من أنبياء الله الكبار وحتّى عموم الناس ـ يعدّ أمراً ضرورياً، فالإمتحان ـ كما ذكرنا ـ يفجّر طاقات الإنسان الكامنة، ويوصله في آخر الأمر إلى التكامل في وجوده.
لذا فقد ورد في الروايات الإسلامية عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ أشد الناس بلاءاً الأنبياء، ثمّ الذين يلونهم، الأمثل فالأمثل»(٢).
كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ في الجنّة منزلة لا يبلغها عبد إلاّ بالإبتلاء»(٣).
د ـ أحداث هذه القصّة تعطي درساً في الصبر لكلّ المؤمنين الواقعيين الرساليين، الصبر والتحمّل الذي يعقبه الظفر والإنتصار في كلّ المجالات، ونيل المقام المحمود والمنزلة الرفيعة عند الباريء عزّوجلّ.
هـ ـ أحياناً يكون إمتحان شخص ما، هو إمتحان في نفس الوقت لأصدقائه وللمحيطين به، كي يعرف حجم صداقتهم ومحبّتهم إيّاه، ومقدار وفائهم له، فعندما فقد أيّوب أمواله وثرواته وصحّته تفرّق عنه أصحابه، ولم يكتفوا بالإبتعاد عنه، وإنّما اتّحدت ألسنتهم مع ألسنة أعدائه في الشماتة به وإلقاء اللائمة عليه، وكشفوا
[١] ـ نهج البلاغة، قصار الكلمات، الكلمة ٣٥١.
[٢] ـ سفينة البحار مادّة (بلاء) المجلّد الأوّل، الصفحة ١٠٥.
[٣] ـ المصدر السابق.