تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٤
قد أخرج أوريّا في بعض غزواته فكتب إلى صاحبه أن قدّم أوريّا أمام التابوت فقدّم فظفر أوريّا بالمشركين فصعب ذلك على داود، فكتب إليه ثانية أن قدّمه أمام التابوت فقدّم فقتل أوريّا وتزوج داود بامرأته.
قال: فضرب الرضا (عليه السلام) يده على جبهته وقال: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، لقد نسبتم نبيّاً من أنبياء الله إلى التهاون بصلاته حتّى خرج في أثر الطير ثمّ بالفاحشة، ثمّ بالقتل».
فقال: يا ابن رسول الله، ما كانت خطيئته؟
فقال: «ويحك إنّ داود (عليه السلام) إنّما ظنّ أنّه ما خلق الله خلقاً هو أعلم منه، فبعث الله عزّوجلّ إليه الملكين فتسوّرا المحراب فقال: (خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحقّ ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط، إنّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال اكفلنيها وعزّني في الخطاب) فعجّل داود على المدّعى عليه فقال: (لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه) ولم يسأل المدّعي البيّنة على ذلك، ولم يقبل على المدّعي عليه فيقول له: ما تقول؟ فكان هذا خطيئة رسم الحكم لا ما ذهبتم إليه، ألا تسمع الله عزّوجلّ يقول: (ياداود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحقّ) إلى آخر الآية.
فقال: يا ابن رسول الله، فما قصّته مع أوريّا؟
قال الرضا (عليه السلام): «إنّ المرأة في أيّام داود كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوّج بعده أبداً، فأوّل من أباح الله عزّوجلّ له أن يتزوّج بامرأة قتل بعلها داود (عليه السلام)فتزوّج بامرأة أوريّا لمّا قتل وإنقضت عدّتها، فذلك الذي شقّ على الناس من قتل أوريّا»[١].
يستفاد من هذا الحديث أنّ مسألة أوريّا كانت لها جذور حقيقيّة بسيطة، وأنّ داود نفّذ ما جاء في الرسالة الإلهيّة، إلاّ أنّ أعداء الله من جهة، والجهلة من جهة
[١] ـ عيون الأخبار طبق ما نقله نور الثقلين، المجلّد ٤، الصفحة ٤٤٥.