تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٨
الآية اللاحقة واصلت تناول نفس الموضوع، ولكن من جانب آخر، حيث قالت: (أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب).
هذا الكلام في حقيقته يعدّ مكمّلا للبحث السابق، إذ جاء في الآية السابقة: إنّكم لا تمتلكون خزائن الرحمة الإلهية، كي تمنحوها لمن تنسجم أهواؤه مع أهوائكم، والآن تقول الآية التالية لها: بعد أن تبيّن أنّ هذه الخزائن ليست بيدكم، وإنّما هي تحت تصرّف البارىء عزّوجلّ، إذن فليس أمامكم غير طريق واحد، وهو أن ترتقوا إلى السماوات لتمنعوا الوحي أن ينزل على رسول الله وإنّكم تعرفون أنّ تحقيق هذا الأمر شيء محال، وأنتم عاجزون عن تنفيذه.
وعلى هذا، فلا «المقتضي» تحت إختياركم، ولا القدرة على إيجاد «المانع»، فماذا يمكنكم فعله في هذا الحال؟ إذاً، موتوا بغيظكم وحسدكم، وافعلوا ما شئتم ..
وبهذا الشكل فإنّ الآيتين لا تكرّران موضوعاً واحداً كما توهّمه مجموعة من المفسّرين، بل إنّ كلّ واحدة منهما تتناول جانباً من جوانب الموضوع.
الآية الأخيرة في بحثنا جاءت بمثابة تحقير لاُولئك المغرورين السفهاء، قال تعالى: (جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب)[١] فهؤلاء جنود قلائل مهزومين ..
«هنالك» إشارة للبعيد، وبسبب وجودها في الآية، فقد إعتبر بعض المفسّرين أنّها إشارة إلى هزيمة المشركين في معركة بدر، التي دارت رحاها في منطقة بعيدة بعض الشيء عن مكّة المكرّمة.
وإستخدام كلمة (الأحزاب) هنا إشارة حسب الظاهر إلى كلّ المجموعات التي وقفت ضدّ رسل الله، والذين أبادهم الباري عزّوجلّ، ومجتمع مكّة المشرك هو مجموعة صغيرة من تلك المجموعات، والذي سيبتلى بما ابتلوا به (الشاهد على
[١] ـ (ما) تعدّ زائدة في هذه العبارة، إنّما جاءت للتحقير والتقليل، و (جند) خبر لمبتدأ محذوف، و (مهزوم) خبر ثان والعبارة في الأصل هي (هم جند ما مهزوم من الأحزاب) والبعض يعتقد بعدم وجود محذوف في الجملة و (جند) مبتدأ و (مهزوم) خبر، ولكن الرأي الأوّل أنسب.