تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٩
والصغيرة في الكعبة، والبالغ عددها (٣٦٠) صنماً، تعجّبوا: لماذا جاءهم النذير من بينهم؟ (وعجبوا أن جاءهم منذر منهم).
كان تعجّبهم بسبب أنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل منهم .. فلماذا لم تنزل ملائكة من السماء بالرسالة؟.. هؤلاء تصوّروا أنّ نقطة القوّة هذه نقطة ضعف، فالذي يبعث من بين قوم، هو أدرى بإحتياجات وآلام قومه، كما أنّه أعرف بمشكلاتهم وتفصيلات حياتهم، ويمكن أن يكون لهم اُسوة وقدوة، إلاّ أنّهم اعتبروا هذا الإمتياز الكبير نقطة سلبية في دعوة الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وتعجّبوا من أمر بعثته إليهم.
وأحياناً كانوا يجتازون مرحلة التعجّب إلى مرحلة إتّهام رسول الله بالسحر والكذب (وقال الكافرون هذا ساحر كذّاب).
وقلنا عدّة مرّات: إنّ إتّهامهم الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسحر، إنّما نتج من جرّاء رؤيتهم لمعجزاته التي لا تقبل الإنكار وتنفذ بصورة مدهشة إلى أفكار المجتمع، وإتّهامه بالكذب بسبب تحدّثه باُمور تخالف سنّتهم الخرافية وأفكارهم الجاهلية التي كانت جزءاً من الاُمور المسلّم بها في ذلك المجتمع، وإدّعاء الرسالة من الله.
وعندما أظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعوته لتوحيد الله، أخذ أحدهم ينظر للآخر ويقول له: تعالى واسمع العجب العجاب (أجعل الآلهة إلهاً واحداً إنّ هذا لشيء عجاب)(١).
نعم، فالغرور والتكبّر إضافة إلى فساد المجتمع، تساهم جميعاً في تغيّر بصيرة الإنسان، وجعله متعجّباً من بعض الاُمور الواقعية والواضحة، في حين يصرّ بشدّة على التمسّك ببعض الخرافات والأوهام الواهية.
وكلمة (عجاب) على وزن (تراب) تعطي معنى المبالغة، وتقال لأمر عجيب مفرط في العجب.
فالسفهاء من قريش كانوا يعتقدون أنّه كلّما إزدادت عدد آلهتهم إزداد نفوذهم
[١] ـ «الجعل» بمعنى التصيير، وهو ـ كما قيل ـ تصيير بحسب القول والإعتقاد والدعوى لا بحسب الواقع.