تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٢
بسبب تركه العمل بالأولى، وإستعجاله في ترك قومه وهجرانهم.
وبعد بلعه من قبل الحوت أعطى الله سبحانه وتعالى أمراً تكوينياً إلى الحوت أن لا تلحق الأذى بيونس، إذ أنّ عليه أن يقضي فترة في السجن الذي لم يسبق له مثيل، كي يدرك تركه العمل بالأولى، ويسعى لإصلاحه.
وورد في إحدى الرّوايات أنّ «أوحى الله إلى الحوت: لا تكسر منه عظماً ولا تقطع له وصلا»(١).
يونس (عليه السلام) إنتبه بسرعة للحادث، وتوجّه على الفور إلى الله سبحانه وتعالى وتكامل وجوده مستغفراً الله على تركه العمل بالأولى، وطالباً العفو منه.
ونقلت الآية (٨٧) في سورة الأنبياء صورة توجّه يونس (عليه السلام) بالدعاء الذي يسمّيه أهل العرفان باليونسية، قال تعالى: (فنادى في الظلمات أن لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين).
أي إنّه نادى من بطن الحوت بأن لا معبود سواك، وأنّني كنت من الظالمين، إذ ظلمت نفسي وإبتعدت عن باب رحمتك.
إعتراف يونس الخالص بالظلم، وتسبيحه الله المرافق للندم أدّى مفعوله، إذ إستجاب الله له وأنقذه من الغمّ، كما جاء في الآية (٨٨) من سورة الأنبياء، (فاستجبنا له ونجّيناه من الغمّ وكذلك ننجي المؤمنين).
ونلاحظ الآن ماذا تقول الآيات بشأن يونس (عليه السلام)، قال تعالى: (فلولا أنّه كان من المسبّحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) أي لو لم يكن من المسبّحين لأبقيناه في بطن الحوت حتّى يوم القيامة، ويعني تبديل سجنه المؤقّت إلى سجن دائم، ومن ثمّ تبديل سجنه الدائم إلى مقبرة له.
وبخصوص بقاء يونس في بطن الحوت حتّى يوم القيامة (على فرض أنّه ترك
[١] ـ تفسير الفخر الرازي، المجلّد ٢٦، الصفحة ١٦٥، كما ورد نفس المعنى مع إختلاف بسيط في تفسير البرهان، المجلّد ٤، الصفحة ٣٧.